الزمخشري : «تلك» إشارة إلى «يا ويلنا» لإنها دعوى ، كأنه قيل : فما زالت تلك الدعوى دعواهم ، والدعوى بمعنى الدعوة ، قال تعالى : (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)(١)(٢).
وسميت دعوى ، لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا : «يا ويلنا». قال المفسرون : لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا)(٣)(٤). (حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً) الحصيد : الزرع المحصود ، أي جعلناهم مثل الحصيد ، شبههم في استئصالهم به ، كما تقول : جعلناهم رمادا أي : مثل الرماد (٥) قوله : «حصيدا» مفعول ثان ، لأن الجعل هنا تصيير (٦). فإن قيل : كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟ فالجواب أن «حصيدا» و«خامدين» يجوز أن يكون من باب هذا حلو حامض (٧) ، كأنه قيل : جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعا (٨). ويجوز أن يكون «خامدين» حالا من الضمير في «جعلناهم» (٩) ، أو من الضمير المستكن في «حصيدا» فإنه في معنى محصود. ويجوز أن يكون من باب ما تعدد فيه الخبر نحو : «زيد كاتب شاعر» (١٠). وجوّز أبو البقاء فيه أيضا أن يكون صفة ل «حصيدا» ، وحصيد بمعنى محصود كما تقدم فلذلك لم يجمع (١١). وقال أبو البقاء : والتقدير : مثل حصيد فلذلك لم يجمع كما لم يجمع «مثل» المقدر (١٢) انتهى.
وإذا كان بمعنى محصودين (١٣) فلا حاجة ، والمعنى : أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة ، وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار (١٤).
__________________
(١) [يونس : ١٠].
(٢) الكشاف ٣ / ٥. أي أن الدعوى تصلح أن تكون في معنى الدعاء ، حكى ذلك سيبويه في باب ما جاء من المصادر وفيه ألف التأنيث حيث قال : (وأما الدعوى فهو ما ادعيت ، وقال بعض العرب : اللهم أشركتا في دعوى المسلمين ، وقال سبحانه وتعالى «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»وقال بشير بن النكث : ولت ودعواها كثير صحبه. فدخلت الألف كدخول الهاء في المصادر) الكتاب ٤ / ٤٠ ـ ٤١.
(٣) [غافر : ٨٥].
(٤) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٤٦.
(٥) انظر الكشاف ٣ / ٥ ، الفخر الرازي ٢٢ / ١٤٧.
(٦) انظر التبيان ٢ / ٩١٣.
(٧) أي أنهما في معنى المفعول الواحد.
(٨) انظر الكشاف ٣ / ٥. التبيان ٢ / ٩١٣.
(٩) قاله الحوفي. البحر المحيط ٦ / ٣٠١.
(١٠) أي أن الضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ ، والمنصوبان بعده كانا خبرين له ، فلما دخل عليهما «جعل» نصبهم جميعا على المفعولية.
(١١) وفعيل بمعنى مفعول يستوي في الوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث تشبيها له بالمصدر على حد قوله تعالى : «وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» [التحريم : ٤]. انظر التبيان ٢ / ٩١٣ ، شرح الأشموني ١ / ١٩٢.
(١٢) التبيان ٢ / ٩١٣.
(١٣) في ب : المحصودين.
(١٤) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٤٧.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
