(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ (١) ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) وقوله : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ)(٢) فالجواب(٣) من وجهين :
الأول : أن قوله تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) وقوله : (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ) إشارة إلى المركب (٤) من الحروف والأصوات ، وذلك مما (٥) لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة ، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر.
الثاني : أن قوله : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا ، كما أن قول القائل : لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه (٦) فإنه لا يدل على (٧) أن كل رجل يجب أن يكون فاضلا بل على أن من الرجال من هو فاضل ، وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث ، فيصير نظم الكلام : القرآن ذكر ، وبعض الذكر محدث ، وهذا لا ينتج شيئا ، فظهر أن الذي ظنوه قاطعا لا يفيد ظنا ضعيفا فضلا عن القطع (٨).
قوله : «لاهية» يجوز (٩) أن تكون حالا من فاعل «استمعوه» عند من يجيز (١٠) تعدد الحال (١١) ، فيكون الحالان مترادفين (١٢).
__________________
(١) من : سقط من ب.
(٢) [الشعراء : ٥].
(٣) في ب : والجواب.
(٤) كذا في الفخر الرازي ، وفي الأصل : المتركب ، وفي ب : التركب.
(٥) مما : سقط من ب.
(٦) في ب : يبغضوه.
(٧) في الأصل : في.
(٨) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٤٠ ـ ١٤١.
(٩) في ب : لا يجوز. وهو تحريف.
(١٠) في ب : يخبر. وهو تحريف.
(١١) يجوز تعدد الحال لمفرد وغيره ، لشبهها بالخبر والنعت ، فالأول كقول الشاعر :
|
عليّ إذا ما جئت ليلى بخفية |
|
زيارة بيت الله رجلان حافيا |
والثاني إن اتحد لفظ ومعناه مثنى أو جمع نحو قوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ) [إبراهيم : ٣٣]. وقوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ) [النحل : ١٢] وإن اختلف فرّق بغير عطف كلقيته مصعدا منحدرا ، ويقدر الأول للثاني وبالعكس وقد تأتي على الترتيب إن أمن اللبس كقول الشاعر :
|
خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا |
|
على أثرينا ذيل مرط مرحّل |
ومنع الفارسي وجماعة تعدد الحال لمفرد قائلين : بأن صاحب الحال إذا كان واحدا فلا يقتضي العامل إلا حالا واحدة ، فقدروا قوله : «حافيا» صفة أو حالا من ضمير «رجلان». وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم تفضيل متوسطا بين الحالين نحو هذا بسرا أطيب منه رطبا. وإذا ما نظرنا إلى كثرة أمثلة التعدد لمفرد ولغيره يمكننا ترجيح الرأي القائل بالجواز.
انظر شرح التصريح ١ / ٣٨٥ ـ ٣٨٧.
(١٢) الحال المترادفة هي الحال المتعددة ، وهي التي تتعدد لواحد.
(المغني ٢ / ٥٦٤). فالحالان قوله : (وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً) صاحبهما فاعل «استمعوه» وعاملهما الفعل.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
