وأما قوله : إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله. فممنوع ، لأن معنى محبة الله هو اتصال النفع إلى عباده ، وهذا المعنى كان حاصلا في حقه في زمان صباه ، وعلم الله أن ذلك يستمر إلى آخر عمره ، فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة (١). قوله : «ولتصنع» قرأ العامة بكسر اللام وضم التاء وفتح النون (٢) على البناء للمفعول ، ونصب الفعل بإضمار (أن) بعد لام (كي) (٣) ، وفيه وجهان :
أحدهما : أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها.
والتقدير : ليتلطف بك ولتصنع (٤) ، (أو ليعطف عليك) (٥) وترأم (٦) ولتصنع ، وتلك (٧) العلة المقدرة متعلقة بقوله : «وألقيت» أي : ألقيت عليك المحبة (ليعطف عليك ولتصنع ، ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من إلقاء المحبّة (٨)) (٩).
والثاني : أن هذه اللام تتعلق بمضمر بعدها ، تقديره : ولتصنع على عيني فعلت ذلك ، أي : ألقيت عليك محبة منّي ، أو كان كيت وكيت (١٠).
ومعنى «ولتصنع» (١١) أي لتربّى ويحسن إليك ، وأنا مراعيك ، ومراقبك كما يراعي الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قاله الزمخشري (١٢).
ومجاز هذا (١٣) أنّ من صنع للإنسان شيئا وهو حاضر ينظر إليه صنعه كما يحبّ ، ولا يمكنه أن يخالف غرضه فكذا هنا (١٤). وفي كيفية المجاز قولان :
الأول : المراد من العين العلم ، أي تربّى على علم منّي ، ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم (لاشتباههما) (١٥) من هذا الوجه (١٦).
__________________
(١) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢ / ٥٣. بتصرف يسير.
(٢) انظر البحر المحيط ٦ / ٢٤٢.
(٣) وإضمار «أن» هنا جائز ، لأن اللام لم تسبق بكون ناقص منفي ، فيجب الإضمار نحو قوله تعالى :«لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ» [النساء : ١٦٨] ولم يقترن الفعل ب (لا) فيجب الإظهار نحو قوله تعالى :«لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ» [البقرة : ١٥٠] الأشموني ٣ / ٢٩١ ـ ٢٩٢.
(٤) في ب : ولتصنع عليك. وهو تحريف.
(٥) ما بين القوسين سقط من ب.
(٦) ترأم : تعطف.
(٧) في ب : وذلك. وهو تحريف.
(٨) ولم يذكر أبو البقاء غير هذا الوجه ، قال :(«ولتصنع» : أي : لتحب ولتصنع) التبيان ٢ / ٨٩١.
(٩) ما بين القوسين سقط من ب.
(١٠) وجوز الزمخشري الوجهين قال :(«ولتصنع» معطوف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك وترأم ونحوه ، أو حذف معلله أي ولتصنع فعلت ذلك) الكشاف ٢ / ٤٣٣.
(١١) في ب : لتصنع.
(١٢) الكشاف ٢ / ٤٣٣.
(١٣) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ٥٣ ـ ٥٤.
(١٤) في ب : هذا.
(١٥) ما بين القوسين سقط من ب.
(١٦) على سبيل الاستعارة.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
