أحدها (١) : كأنه تعالى قال : إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك (٢) فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال.
وثانيها (٣) : إني (٤) كنت ربيتك فلو منعتك الآن كان ذلك ردا بعد القبول وإساءة بعد الإحسان ، فكيف يليق بكرمي.
وثالثها (٥) : إنا أعطيناك في الأزمنة السالفة كلّ ما احتجت إليه ، ورقّيناك إلى الدرجة العالية ، وهي درجة (٦) النبوة ، فكيف يليق بمثل هذه الرتبة (٧) المنع عن المطلوب. ومعنى «مننّا عليك» أنعمنا عليك (مَرَّةً أُخْرى) فإن قيل : لم ذكر تلك (٨) النّعم بلفظ المنّة مع أن هذه اللفظة مؤذية والمقام مقام التلطف؟
فالجواب : إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليهالسلام (٩) أن هذه النعم التي وصل إليها ما كان مستحقا لشيء منها ، بل إنما خصّه الله بها لمحض التفضل (١٠) والإحسان.
فإن قيل : لم قال : (مَرَّةً أُخْرى) مع أنه تعالى ذكر «مننا» كثيرة؟
فالجواب : لم (١١) يعن ب (مَرَّةً أُخْرى) مرة (١٢) واحدة من المنن ، لأن ذلك قد (١٣) يقال في القليل والكثير (١٤).
قوله : (إِذْ أَوْحَيْنا) العامل ف ي «إذ مننا» (١٥) أي مننا عليك في وقت إيحائنا إلى أمك ، وأبهم في قوله : (ما يُوحى) للتعظيم كقوله تعالى : (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ)(١٦) وهذا وحي إلهام ، لأن الأكثرين على أن أم موسى ـ عليهالسلام (١٧) ـ ما كانت من الأنبياء ، وذلك (١٨) لأن المرأة لا تصلح للقضاء والإمامة ، ولا تمكن عند أكثر العلماء من تزويج نفسها ، ويدل على ذلك (١٩) قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ)(٢٠).
__________________
(١) في ب : الأول.
(٢) في ب : سؤلك.
(٣) في ب : والثاني.
(٤) في ب : إن.
(٥) في ب : والثالث.
(٦) في ب : منصب.
(٧) في النسختين : التربية. والصواب ما أثبته.
(٨) في ب : لفظ. وهو تحريف.
(٩) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(١٠) في ب : لمن. وهو تحريف.
(١١) في ب : لمن. وهو تحريف.
(١٢) مرة : سقط من ب.
(١٣) مد : سقط من ب.
(١٤) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢ / ٥١.
(١٥) في قوله تعالى :«وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى» الآية [٣٧] من السورة نفسها وانظر التبيان ٢ / ٨٩١.
(١٦) [طه : ٧٨] والاستشهاد بالآية على أن حق الكلام كان : فغشيهم من ماء اليم شدته ، فعدل إلى لفظة (ما) لما فيها من الإبهام تهويلا للأمر ، وتعظيما للشأن ، لأنه أبلغ من التعيين لأن الوهم يقف في التعيين على الشيء المعين ، ولا يقف عند الإبهام ، بل يتردد في الأشياء المختلفة ، فيكون أبلغ تخويفا وتهديدا. انظر البيان ٢ / ١٥١.
(١٧) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(١٨) ذلك : سقط من ب.
(١٩) في ب : عليه.
(٢٠) [الأنبياء : ٧].
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
