وهذه التخلية وإن لم يكن فيها تشديد (١) للمحنة عليهم (٢) فهم متمكنون (٣) بأن لا يقبلوا منهم ، ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم ، والدليل عليه قوله تعالى : (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ)(٤).
قال ابن الخطيب (٥) : وهذا لا يمكن حمله على ظاهره ، فإنّ قوله : الشياطين لو أرسلهم الله ـ تعالى (٦) ـ إلى الكفار «لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين.
قلنا : الله (٧) ـ تعالى ـ ما أرسل الشياطين إلى الكفار» (٨) بل أرسلهم عليهم ، والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستوليا عليه (٩) ، فأين هذا من الإرسال إليهم (١٠).
وقوله : ضلال الكافر من قبل الله ـ تعالى ـ ، فأي تأثير للشياطين فيه.
قلنا : لم لا يجوز أن سماع (١١) الشياطين إياه تلك (١٢) الوسوسة يوجب في قلبه الضلال بشرط سلامة فهم السامع ، لأن كلام الشياطين (١٣) «من خلق الله ـ تعالى ـ فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسبا إلى الشيطان ، وإلى الله ـ تعالى ـ من هذين الوجهين. وقوله : لم لا يجوز أن يكون بالإرسال التخلية.
قلنا : كما خلّى بين الشياطين والكفرة» (١٤) فقد خلّى بينهم وبين الأنبياء ، ثم إنه ـ تعالى ـ خص الكافر بأنه أرسل الشياطين عليه ، فلا بد من فائدة زائدة ههنا.
ولأن قوله (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) أي : تحركهم تحريكا شديدا ، فالغرض (١٥) من ذلك الإرسال موجب (١٦) أن يكون ذلك الأزّ مرادا لله ـ تعالى ـ إذ يحصل المقصود منه (١٧).
قوله (١٨) : «أزّا» مصدر مؤكد. والأزّ ، والأزيز ، والاستفزاز. قال الزمخشري : أخوات وهو التهيج وشدة الإزعاج ، أي (١٩) : تغريهم على المعاصي ، وتهيجهم لها بالوساوس (٢٠).
قال ابن عباس : (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) أي : تزعجهم في المعاصي إزعاجا من الطاعة إلى المعصية(٢١).
__________________
(١) في النسختين : نسبة.
(٢) في ب : عليها. وهو تحريف.
(٣) في ب : متمسكون. وهو تحريف.
(٤) [إبراهيم : ٢٢]. آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢١ / ٢٥٢.
(٥) تقدم.
(٦) تعالى : سقط من ب.
(٧) في ب : قلنا : القول لله.
(٨) ما بين القوسين سقط من ب.
(٩) في ب : عليهم لا عليه.
(١٠) في النسختين : إليه.
(١١) في ب : استماع.
(١٢) في ب : بتلك.
(١٣) في ب : الشياطين والكفرة.
(١٤) ما بين القوسين سقط من ب.
(١٥) في ب : فإن قيل : إنّ الغرض.
(١٦) في ب : يوجب.
(١٧) الفخر الرازي ٢١ / ٢٥٢ ـ ٢٥٣.
(١٨) في ب : قلنا. وهو تحريف.
(١٩) في ب : أن. وهو تحريف.
(٢٠) الكشاف : ٢ / ٤٢٣.
(٢١) انظر القرطبي ١١ / ١٥٠.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
