قلنا : إنّما سمّى المحنة الشدیدة إضلالاً إذا وقع عندها ضلال کما أن السؤال یسمّى تبخیلاً إذا وقع عنده البخل .
وقال قوم : معنى قوله: (یُضِلُّ بِهِ کَثِیراً وَیَهْدِی بِهِ کَثِیراً) یعنی : یضل بالتکذیب بهذه الأمثال کثیراً ویهدی بالإیمان به کثیراً ؛ لأنه لو کان سبباً للضلال لما وصفه الله بأنّه هدى ، وبیان ، وشفاء لما فی الصدور ) . وحذف التکذیب والإقرار اختصاراً ؛ لأن فی الکلام ما یدل علیه . کما یقول القائل : نزل السلطان فسعد به قوم وشقی به آخرون . وإنما یراد به : سعد بإحسانه قوم وشقی بإساءته آخرون . لا بنزول جسمه (٢) ؛ لأن نفسه لا یقع به سعادة ولا شقاء . وکما قال: (وَأُشْرِبُواْ فِی قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) (٣) وَإِنَّمَا أراد حبّ العجل . وذلک کثیر .
وقد بینا أن الإضلال والهدایة یُعبّر بهما عن العذاب والثواب ، فعلى هذا یکون تقدیر الآیة: (یُضِلُّ) أی : یعذب بتکذیب القرآن والأمثال کثیراً ، (وَیَهْدِى) أی : یُثیب بالإقرار به کثیراً . والدلیل على ما قلناه قوله : (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) فلا یخلو أن یکون أراد ما قلناه من العقوبة على التکذیب ، أو أراد به الحیرة والتشکیک ، وقد ذکرنا أن الحیرة المتقدّمة التی بها صاروا ضلالاً فس اقا ـ لم یفعلها الله إلا بحیرة قبلها، وهذا یوجب ما لا نهایة له من حیرة قبل حیرة ، لا إلى أوّل ، أو إثبات إضلال لا ضَلال
____________________
(١) إشارة إلى الآیات : من سورة یونس ١٠ : ٥٧ ، من سورة آل عمران ٣ : ١٣٨ ، من سورة فصلت ٤٤:٤١.
(٢) فی النسخ: حشمه . فی (ؤ ) (جیشه) وهی موافقة لنزول السلطان.
(٣) سورة البقرة ٢ : ٩٣ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ١ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4645_Tebyan-Tafsir-Quran-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
