فإن قیل : قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ) ظاهره یوجب أنه خلق الأرض قبل السماء ؛ لأن (ثُمَّ) للتعقیب وللتراخی . وقال فی موضع آخر : (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) (١) ثم قال : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا) (٢) هذا ظاهر التناقض .
قلنا : المعنى فی ذلک : خلق الأرض قبل السماء غیر أنّه لم یَدْحها . فلما خلق السماء دحاها بعد ذلک . ودَحْوُها : بَسْطُها ، ومدها ؛ ومنه : أُدْحِیَّة النعام ، سمّیت بذلک ؛ لأنها تبسطها لتبیض فیها (٣) . ویجوز أن لا یکون معنى (ثُمَّ) و (بَعْدَ) فی هذه الآیات الترتب فی الأوقات والتقدم والتأخر فیها ، إنّما هو على جهة تعداد النعم والاذکار لها کما یقول القائل لصاحبه : ألیس قد أعطیتک ، ثم حملتک ، ثمّ رفعت فی منزلتک ، ثم بعد ذلک کله خلطتک بنفسی وفعلت بک وفعلت . وربما یکون بعض الذی ذکره فی اللفظ متقدماً ، کان متأخّراً ؛ لأن المراد لم یکن الإخبار عن أوقات الفعل ، وإنما المراد الذکر والتنبیه علیها .
فإن قیل : أیُّ نسبة بین قوله : (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ) وبین قوله :(وَهُوَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٍ ) وکان یجب أن یقول : :(وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ
____________________
(١) سورة النازعات ٧٩ ٢٧ ـ ٢٨ .
(٢) سورة النازعات ٧٩ : ٣٠ .
(٣) الأُدْحِیُّ : الموضع الذی تدحوه وتبسطه النَّعَامَةُ ؛ لأجل أن تبیض فیه . یقال : دَحَیْتُ الشیءَ دَحْیاً ، ودَحَوْتُهُ : إِذا بَسَطته .
انظر : تهذیب اللغة ٥ : ١٩٠ ، المحیط ٣ : ١٨٠، «دَحَی» فیها ، والمخصص ٤ : ٧٠ ، عن اصلاح المنطق لابن السکیت : ٣٧٦ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ١ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4645_Tebyan-Tafsir-Quran-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
