وقوله : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ):
إن قیل : ألیس تقولون : إن الله لا یُضلّ أحداً، ولا یهدی خلقاً، وإن العباد هم الذین یُضِلُّون أنفسهم ویهدونها ، وهم یُضِلُّون من شاءُوا ویهدون من شاءوا . وقد قال الله تعالى فی غیر موضع من کتابه نحو قوله : (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) (١) ، ولا یمکنکم أن تقولوا : إن المراد بالإضلال العقوبة والتسمیة ؛ لأنه لو قال : یضل کثیراً ویهدی کثیراً، کان ذلک ممکناً ، لکن قال : (يُضِلُّ بِهِ) و (يَهْدِي بِهِ) والهاء راجعة إلى القرآن أو المثل الذی ضربه فیه . ولا یجوز أن یعاقب بالمثل ، ولا أن یسمّى بالمثل . فعلم بذلک أنه أراد أنّه لبس علیهم ، وجعله حیرة لهم ؟!.
قلنا : أوّل ما فی ذلک أنا لا نطلق أنّ الله لا یُضلّ أحداً ولا یهدی أحداً. ومن أطلق ذلک فقد أخطأ .
ولا نقول أیضاً : إنّ العباد یُضلّون أنفسهم أو یهدونها مطلقاً ، أو یضلون غیرهم أو یهدونه . فإن إطلاق جمیع ذلک خطأ .
بل نقول : إنّ الله یضل من یشاء ویهدی من یشاء .
ونقول : إن من أضله الله فهو أضله الله فهو الضال ، ومن هداه فهو المهتدی .
ولکن لا نرید بذلک ما یریده المخالف مما یؤدی إلى التَّظْلِیم حکمه . والتجویر الله تعالى فی حكمه.
____________________
(١) وردت فی سورة النحل ١٦ : ٩٣ ، سورة فاطر ٣٥ : ٨ .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ١ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4645_Tebyan-Tafsir-Quran-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
