قبله ، فإن کان الله قد فعل هذا الضلال الذی لم یقع قبله ضلال فقد أضل من لم یکن فاسقاً ، وهذا خلاف قوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) فثبت أنه أراد أنّه لا یعاقب إلّا الفاسقین ، کما قال : (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (١).
وحکى الفرّاء وجهاً آخر ملیحاً ، قال : قوله : (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) ، حکایة عمن قال ذلک ، کأنهم قالوا : (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرً) :أی: یضل به قوم ویهدی به قوم. ثم قال الله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (٢).
فبین عزّ وجلّ الإضلال، وأنّه لا یُضِلَّ إلا ضالاً فاسقاً، واقتصر على الإخبار عنهم وبیان ما بین من الإضلال دون ما أراد بالمثل . وهذا وجه حسن تزول معه الشبهة .
وأصل الفِسْقِ فی اللغة : الخروج عن الشیء، یقال منه : فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ . إذا خَرَجَتْ عن قشرها ومن ذلک سُمِّیت الفأرة : فُوَیْسِقَة ؛ لخروجها من جُحرها ، ولذلک سمّی المنافق والکافر : فاسقین ؛ لخروجهما عن طاعة الله . ولذلک قال الله تعالى فی صفة إبلیس : (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) (٣) یعنی خرج من طاعته واتباع أمره (٤) .
____________________
(١) سورة إبراهیم ١٤ : ٢٧ .
(٢) انظر : معانی القرآن ١ : ٢٣ .
(٣) سورة الکهف ١٨ : ٥٠ .
(٤) انظر : جمهرة اللغة ٢ : ٨٤٧ ، تهذیب اللغة ٨ : ٤١٤ ، المحیط فی اللغة ٥ : ٢٩٣ ، الصحاح ٤ : ١٥٤٣ ، «فسق» ، وانظر : معانی القرآن للفراء ٢ : ١٤٧.
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ١ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4645_Tebyan-Tafsir-Quran-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
