وهذا القسم الأخير خارج عن محل الكلام وليس محطا للنقض والإبرام، بل كان الاجتهاد السابق حجة فى الأعمال السابقة واللاحقة قطعاً للمجتهد ومقلديه، إذ ما من مجتهد إلّا ويشك عادة بعد ما استقر رأيه على شىء فى صحة مبانى اجتهاده واستنباطه، إذ قلما يتفق أن يكون المجتهدون بعد ما فرغوا عن استنباط حكم المسألة عالمين بمدارك استنباطهم فى تلك المسألة بل كثيرا ما كانوا مذهولين عن نفس فتاويهم فضلا عن مداركها، بل هو الحال بحسب العادة فى الأوحدى منهم نظير محمد ابن مسلم وزرارة فضلا عن غيرهم واتفاق مجتهد يعلم من حاله أنّ فهمه لايزيد عما استقر عليه رأيه وإن كان بمكان من الإمكان بل الوقوع، إلّا أنّه أقل قليل خارج عن الأفراد المتعارفة الذين يقوى ملكة الاجتهاد فيهم لايزال بسبب المزاولة وكثرة الممارسة.
ولذا ترى تغيير آرائهم فى كتابين لمجتهد واحد بل فى كتاب واحد فى باب وباب. وبالجملة نوع المجتهدين كانوا إذا دخلوا فى استنباط حكم مسألة غافلين عن حكم مسألة اخرى ومداركها، وحينئذٍ يعرض لهم الشك فعلاً فى صحة اجتهادهم السابق وصحة مداركها والشك فى ذلك مساوق لاضمحلال الرأى وعدم وجوده فعلاً.
وهذا لو أثر فى عدم حجية الرأى السابق كما قد يتوهم بتخيل أنه لادليل على حجية القطع السابق بالحكم أو بالوظيفة فى ترتيب الآثار عليه فى اللاحق ولاقطع بأحد الأمرين فعلاً كى يكون حجة له بحكم العقل، فيلزمه الاحتياط أو تجديد النظر وتحصيل القطع لأدّى إلى اختلال النظام والهرج والمرج، بل قام الإجماع قولا وعملا على خلافه، بل طريقة كل العقلاء على ترتيب الآثار على قول أهل الخبرة وتشخيصهم فى الأمور الراجعة إليهم، ولو طال الزمان بحيث غفل الخبير عن مدرك
![عمدة الأصول [ ج ٧ ] عمدة الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4491_umdat-alusul-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
