الأول : أن يقال : إنّ عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار ، فلهذا ذكر هذه الآية عقيب تلك الآية فهي عامة في حق كل المؤمنين.
الثاني : أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعرى ثم قال : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهذا هو الحق ، أجراها على عمومها ، فتكون الملائكة والمسيح وعزير ـ عليهمالسلام (١) ـ داخلين فيها ، لا أنّ الآية مختصة بهم. ومن قال العبرة بخصوص السبب خصص قوله : (إِنَّ الَّذِينَ) بهؤلاء فقط (٢).
قوله : «منّا» يجوز أن يتعلق ب «سبقت» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الحسنى» (٣) قال الزمخشري : «الحسنى» الخصلة (٤) المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن وهي إما السعادة ، وإما البشرى بالثواب ، وإما التوفيق للطاعة (٥) ثم شرح أحوال ثوابهم (٦) فقال : (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ). قال أهل العفو معناه : أولئك عنها مخرجون ، واحتجوا بوجهين :
الأول : قوله (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها)(٧) أثبت الورود ، والورود الدخول ، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج.
والثاني : أن إبعاد الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر ، لأنّ تحصيل الحاصل محال.
وقالت المعتزلة : «أولئك عنها مبعدون» لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة. واحتج القاضي عبد الجبار على فساد الأول بأمور :
أحدها : أنّ قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) يقتضي أنّ الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا ، وليس هذا (٨) حال من يخرج من النار.
وثانيها : أنه تعالى قال : (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) فكيف يدخل في ذلك من وقع فيها.
وثالثها : قوله : (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) وقوله : (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) يمنع من ذلك. والجواب عن الأول لا نسلم أنّ المراد من قوله (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) هو أن الوعد بثوابهم قدتقدم ، ولم لم يجوز أن يكون المراد من «الحسنى» تقدم الوعد بالثواب ، (لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا) (٩) يليق بحال من يخرج من النار فإن عنده المحابطة (١٠) باطلة ، ويجوز الجمع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن (١١) الثاني : أنا
__________________
(١) في ب : عليهم الصلاة والسلام.
(٢) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢ / ٢٢٦.
(٣) انظر التبيان ٢ / ٩٢٨.
(٤) في ب : الخصلة الحسنى.
(٥) الكشاف ٣ / ٢١.
(٦) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ٢٢٦.
(٧) من قوله تعالى : «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» [مريم : ٧١].
(٨) في الأصل : هذه. وهو تحريف.
(٩) ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي.
(١٠) في الأصل : المخاطبة. وهو تحريف.
(١١) في ب : وعلى.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
