النصيب قال تعالى : (يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)(١) أي : نصيب (٢). واختلفوا في تسميته بهذا الاسم ، فقال الحسن : كان له ضعف عمل الأنبياء في زمانه ، وضعف ثوابهم. وقال ابن عباس : إن نبياء من أنبياء بني إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك ، فاعرض الملك على بني إسرائيل ، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر ويصوم بالنهار لا يفطر ، ويقضي بين الناس ولا يغضب ، فادفع ملكك إليه ، ففعل ذلك فقام شاب فقال : أنا أتكفل لك بهذا (٣). ووفى به ، فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة ، لأنه تكفل بأمور فوفى بها.
وقال مجاهد : لما كبر اليسع ـ عليهالسلام (٤) ـ قال : لو أني استخلفت رجلا على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس ، فقال من يتقبل مني ثلاثا أستخلفه (٥) : يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ويقضي فلا يغضب ، فقام رجل تزدريه العين فقال : أنا. فرده ذلك اليوم ، وقال مثلها في اليوم الآخر ، فسكت الناس وقام ذلك الرجل ، فقال : أنا. فاستخلفه. فأتاه إبليس في صورة شيخ حين أخذ مضجعه للقائلة ، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة. فدق الباب فقال : من هذا؟ فقال : شيخ كبير مظلوم ، فقال : افتح الباب. فقال : إنّ بيني وبين قومي خصومة ، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر الرواح ، وذهبت القائلة. فقال : إذا رحت فأتني آخذ حقك ، فانطلق وراح ، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ ، فلم يره ، فلما كان الغد يقضي بين الناس ينظره فلا يراه ، فلما رجع إلى القائلة أخذ مضجعه أتاه ، فدق الباب ، فقال من هذا؟ فقال : الشيخ المظلوم ، ففتح له ، فقال : أقيل ، فإذا قعدت فأتني ، فقال : إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد ، قالوا : نحن نعطيك حقك ، وإذا قمت جحدوني. قال : فانطلق فإذا رحت فأتني ، فأتته القائلة ، فراح فجعل ينظر ولا يراه ، وشق عليه النعاس. فقال للبواب في اليوم الثالث : قد غلب عليّ النعاس فلا تدع أحدا يقرب من هذا الباب حتى أنام ، فجاء إبليس في تلك الساعة ، فلم يأذن له الرجل فدخل في كوّة (٦)
__________________
ـ يركب ، فذلك هو الكساء ، هو الكفل وهو بكسر الكاف وإسكان الفاء ، فأصله من الكفل بفتح الفاء.
انظر النهاية في غريب الحديث ٤ / ١٩٢.
وابن الأثير : هو المبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني المشهور بابن الأثير من مشاهير العلماء وأكابر النبلاء ، أخذ النحو عن ابن الدهان ويحيى بن سعدون القرطبي ، ومن مصنفاته : النهاية في غريب الحديث ، البديع في النحو ، تهذيب فصول ابن الدهان ، وغير ذلك ، مات سنة ٦٠٦ ه. بغية الوعاة ٢ / ٢٧٤ ـ ٢٧٥.
(١) من قوله تعالى : «مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً» النساء : ٨٥].
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٣ / ٤٠١ ـ ٤٠٢.
(٣) في ب : بهذا التكفل.
(٤) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(٥) استخلفه : سقط من ب.
(٦) الكوة : الخرق في الحائط ، والثقب في البيت ونحوه. اللسان (كوى).
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
