فإن قلت : ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قلت : أحدهما : إعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة ، والثاني : أنه حين خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثمة (١). قال أبو حيان : يعني بالإبهام أن الوصف لا يلزم أن يكون الموصوف متصفا به حالة الإخبار عنه ، وإن كان (٢) الأكثر قيامه به حالة الإخبار عنه ، ألا ترى أنه يقال : مررت بوحشيّ القاتل حمزة ، وحالة (٣) المرور لم يكن قائما به قتل حمزة (٤). والفجّ الطّريق الواسع ، والجمع الفجاج (٥). والضمير في «فيها» يجوز أن يعود على الأرض وهو الظاهر كقوله (وَاللهُ (٦) جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً)(٧)(٨). وأن يعود على الرواسي (٩) ، يعني أنه جعل في الجبال طرقا واسعة وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال : كانت الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرّقها فجاجا وجعل فيها طرقا (١٠). وقوله (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي لكي يهتدوا (١١) إذ الشك لا يجوز على الله (١٢). والمعنى (١٣) : ليهتدوا إلى البلاد. وقيل : ليهتدوا إلى وحدانية الله بالاستدلال قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء وقد تقدم.
وقيل : الاهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية الله تعالى يشتركان في أصل الاهتداء ، فيحمل اللفظ على ذلك المشترك مستعملا في مفهوميه (١٤) معا (١٥). قوله : (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) سميت سقفا ، لأنها كالسقف للبيت ، ومعنى «محفوظا» أي : محفوظا من الوقوع كقوله : (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ)(١٦). وقيل : محفوظا من الشياطين (١٧).
قوله : (وَهُمْ عَنْ آياتِها)(١٨) جملة استئنافية ، ويضعف جعلها (١٩) حالا مقدرة. وقرأ مجاهد وحميد «عن آيتها» بلفظ الإفراد (٢٠).
جعل الخلق آية وهي مشتملة على آيات ، أو (٢١) أطلق الواحد وأراد به الجنس (٢٢)
__________________
(١) الكشاف ٣ / ١٠.
(٢) كان : سقط من ب.
(٣) في ب : وبحالة.
(٤) البحر المحيط ٦ / ٣٠٩.
(٥) وفي اللسان (فجج) : الفج : الطريق الواسع بين جبلين ، وجمعه فجاج.
(٦) في الأصل : «الله».
(٧) [نوح : ١٩ ، ٢٠].
(٨) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٥ ، البحر المحيط ٦ / ٣٠٩.
(٩) انظر البحر المحيط ٦ / ٣٠٩.
(١٠) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٤.
(١١) في النسختين : لكي يهتدون.
(١٢) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٥.
(١٣) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٥.
(١٤) في الأصل : مفهومين.
(١٥) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٥.
(١٦) «عَلَى الْأَرْضِ» : سقط من الأصل. [الحج : ٦٥].
(١٧) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٥.
(١٨) في ب : آياتنا. وهو تحريف.
(١٩) في ب : حملها. وهو تحريف.
(٢٠) المختصر : (٩١) ، البحر المحيط ٦ / ٣١٠.
(٢١) في ب : و. وهو تحريف.
(٢٢) انظر البحر المحيط ٦ / ٣١٠.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
