الإنسان ، ثم أكد ذمهم بقوله : (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) واللاهية من لهي عنه إذا ذهل وغفل. وقدم ذكر اللعب على اللهو كما في قوله تعالى : (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)(١) تنبيها على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه الذهول والغفلة والسخرية والاستهزاء معلّل باللهو الذي معناه الذهول ، فإنهم إنما أقدموا على اللعب لذهولهم عن الحق (٢).
وقوله : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) فيه سؤال ، وهو أن النجوى اسم من التناجي ، وهو لا يكون إلا خفية ، فما معنى قوله : «وأسرّوا»؟
فالجواب : أنهم بالغوا في إخفائها ، وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم (٨).
فإن قيل : لم قال : (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)؟
فالجواب : أن إبدال (الَّذِينَ ظَلَمُوا) من «أسرّوا» إشعار بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو جاء (٣) على لغة من قال : أكلوني البراغيث (٤) وقوله : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) قال الزمخشري : هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من «النّجوى» أي : وأسروا هذا الحديث (٥) ، وهو قولهم: (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ). ويحتمل أن يكون التقدير : وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام (٦) وإنما أسروا هذا الحديث لوجهين :
أحدهما : إنما كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم ، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم (٧) أمره ، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.
الثاني (٨) : يجوز أن يسروا نجواهم بذاك ، ثم يقولوا (٩) لرسول الله والمؤمنين : إن كان ما (١٠) تدعونه حقا (فأخبرونا بما أسررناه) (١١)(١٢).
واعلم أنهم إنما طعنوا في نبوته (١٣) ـ عليهالسلام (١٤) ـ بأمرين :
أحدهما : أنه بشر مثلهم.
والثاني : أن الذي أتى به سحر.
وكلا (١٥) الطعنين فاسد ، أما الأول ، فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل
__________________
(١) من قوله تعالى :«إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ» [محمد : ٣٦].
(٢) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٤١.
(٨) في ب : والثاني.
(٣) أو : سقط من ب.
(٤) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٤١.
(٥) الكشاف ٣ / ٣.
(٦) أي أنه في محل نصب على إضمار القول. انظر الكشاف ٣ / ٣.
(٧) هدم : تكملة من الفخر الرازي.
(٨) في ب : والثاني.
(٩) في النسختين : ثم يقولون. والصواب ما أثبته لأنه معطوف على (يسروا).
(١٠) في ب : مما. وهو تحريف.
(١١) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٤١.
(١٢) ما بين القوسين في الأصل : فإنا أسررناه. وفي ب : فأما أسررناه والتصويب من الفخر الرازي.
(١٣) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٤١.
(١٤) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(١٥) في ب : وكل. وهو تحريف.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
