الوجه السادس (١) : أن الفاعل «كم» ـ قاله الحوفي (٢) ، وأنكره على قائله (٣) لأن «كم» استفهام لا يعمل فيها ما قبلها (٤).
قال أبو حيّان : وليست «كم» هنا استفهامية بل هي خبرية (٥). واختار (٦) أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى ، فقال (٧) : وأحسن التخاريج أن يكون الفاعل ضميرا عائدا على الله تعالى ، كأنّه قال أفلم يبيّن الله ، ومفعول يبين محذوف ، أي العبر بإهلاك القرون السابقة (٨) ، ثم قال : (كَمْ أَهْلَكْنا) أي : كثيرا أهلكنا (٩) ، ف «كم» مفعولة (١٠) ب «أهلكنا» (١١) والجملة كأنها مفسرة للمفعول المحذوف ل «يهد» (١٢).
قال القفّال : جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيّنا لهم كما جعل (١٣) مثل ذلك واعظا لهم وزاجرا(١٤). وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن (١٥) السلمي «أفلم (١٦) نهد» بالنون المؤذنة بالتعظيم (١٧). قال الزجاج : يعني أفلم (١٦) نبيّن لهم بيانا يهتدون (١٨) به لو تدبروا وتفكروا.
وقوله : (كَمْ أَهْلَكْنا) فالمراد به المبالغة في كثرة من أهلكه الله تعالى من القرون الماضية (١٩). قوله: (مِنَ الْقُرُونِ) في محل نصب (نعت ل «كم») (٢٠) لأنّها نكرة ويضعف جعله حالا من النكرة (٢١) ، ولا يجوز أن يكون تمييزا على قواعد البصريين (٢٢)
__________________
(١) في ب : الخامس.
(٢) في ب : قال الحوفي.
(٣) والكوفيون هم القائلون بأن فاعل «يهد» هو «كم». وانظر مشكل إعراب القرآن ٢ / ٧٨ ، البيان ٢ / ١٥٤ ، القرطبي ١١ / ٢٦٠.
(٤) انظر البحر المحيط ٦ / ٢٨٩.
(٥) المرجع السابق. وأبو حيان هو القائل وحده بأن «كم» خبرية.
(٦) في ب : وأشار.
(٧) أي أبو حيان ، وأرجح ما اختاره أبو حيّان من كون الفاعل ضمير الله تعالى.
(٨) في ب : السالفة.
(٩) في ب : هلكنا.
(١٠) في ب : مفعول.
(١١) عند البصريين. انظر مشكل إعراب القرآن ٢ / ٧٨ ، التبيان ٢ / ٩٠٨.
(١٢) البحر المحيط ٦ / ٢٨٩.
(١٣) في ب : كما قد جعل.
(١٤) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٣٢.
(١٥) في ب : وأبو عبد الله.
(١٦) في النسختين : أو لم. وهو تحريف.
(١٧) انظر القرطبي ١١ / ٢٦٠ ، البحر المحيط ٦ / ٢٨٨. والزمخشري قد استدلّ بهذه القراءة على أنّ فاعل «يهد» ضمير الله أو الرسول. انظر الكشاف ٢ / ٤٥١.
(١٦) في النسختين : أو لم. وهو تحريف.
(١٨) معاني القرآن وإعرابه ٣ / ٣٧٩.
(١٩) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٣٢.
(٢٠) ما بين القوسين في النسختين : نعتا.
(٢١) لأنه لم يتقدم على النكرة حتى يكون حالا منها.
(٢٢) لأن مميز (كم) الاستفهامية لا يكون مجموعا عندهم ، ولأن القرون معرفة فيجوز أن يكون التمييز محذوفا ، أي قرنا من القرون. انظر الكافية ٢ / ٩٦.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
