يكون لقوله : «فتنّا» معنى (١) آخر ، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان ، يقال : فتنت الذّهب بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء (٢) ، فهاهنا (٣) شدّد الله التكليف عليهم ، لأن السّامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنّ له إلها ليس بجسم وحينئذ يعرفون (٤) أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديدا في التكليف ، (والتشديد في التكليف) (٥) موجود.
قال تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(٦).
والجواب : ليس في ظهور صوت من عجل (٧) متخذ (٨) من الذهب شبهة أعظم مما (٩) في الشمس والقمر ، والدليل (١٠) الذي ينفي كون الشمس والقمر إلها أولى بأن ينفي كون العجل إلها ، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديدا في التكليف (١١) ولا يصح حمل الآية عليه ، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم.
وقوله (١٢) : أضاف الإضلال إلى السّامري. قلنا : أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله ـ تعالى (١٣) ـ فكذا هاهنا. وأيضا قرىء «وأضلّهم (١٤) السّامريّ» أي (١٥) : وأشد ضلّالهم السامري ، وعلى هذا (١٦) لا يبقى للمعتزلة استدلال ، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي. قوله : (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) العامة على أنه فعل ماض مسند إلى السامري(١٧).
وقرأ أبو معاذ «وأضلّهم» مرفوعا بالابتداء ، وهو أفعل تفضيل ، و«السّامريّ» خبره (١٨).
ومعنى «أضلّهم» أي : دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل ، وأضاف الإضلال إلى السّامريّ ، لأنهم ضلوا بسببه (١٩). قال ابن عباس (٢٠) في رواية سعيد بن جبير : كان السامري علجا (٢١) من أهل كرمان وقع إلى مصر ، وكان من قوم يعبدون البقر ، والأكثرون
__________________
(١) في ب : أمرا. وهو تحريف.
(٢) اللسان (فتن).
(٣) في ب : فهنا.
(٤) في النسختين : يعرفوا. والصواب ما أثبته.
(٥) ما بين القوسين سقط من ب.
(٦) [العنكبوت : ٢].
(٧) من : سقط من ب.
(٨) متخذ : سقط من ب.
(٩) في ب : ما.
(١٠) الدليل : سقط من ب.
(١١) في ب : في التشبيه والتكليف.
(١٢) في ب : فإن قيل.
(١٣) تعالى : سقط من ب.
(١٤) في ب : فأضلهم.
(١٥) أي : سقط من ب.
(١٦) في ب : على.
(١٧) انظر البحر المحيط ٦ / ٢٦٧.
(١٨) انظر المختصر : ٨٩ ، البحر المحيط ٦ / ٢٦٧.
(١٩) انظر البغوي ٥ / ٤٥٠.
(٢٠) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٠١.
(٢١) العلج : الرجل الشديد الغليظ ، وقيل : كلّ ذي لحية ، والجمع أعلاج وعلوج. اللسان (علج).
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
