الْعالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)(١).
واعلم أن الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان ، والهداية عبارة عن إيداع القوى المدركة والحركة في تلك الأجسام ، فالخلق مقدم على الهداية كما قال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ)(٢) إلى أن قال : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ)(٣).
واعلم (٤) أن عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية بحر لا ساحل له ولنذكر منه أمثلة (٥) :
أحدها (٦) : أنّ الطبيعي يقول (٧) : الثقيل هابط ، والخفيف صاعد ، وأثقل الأشياء الأرض ثم الماء ، وأخفها النار ثم الهواء ، فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها ، ثم إنه تعالى قلب هذا (٨) في خلقة الإنسان ؛ فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر (٩) ، وهما (١٠) أيبس ما في البدن ، وهما بمنزلة الأرض ، ثم جعل تحته الدماغ الذي هو (١١) بمنزلة الماء ، وجعل تحته النفس الذي هو (١٢) بمنزلة الهواء ، وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب ، وهي بمنزلة النار ، فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى ، وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعلم أن ذلك بتدبير (١٣) القادر الحكيم لا باقتضاء العلة والطبيعة.
وثانيها (١٤) : أنّك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وقسمتها ، وعجائب أحوال البق والبعوض والنمل في اهتدائها (١٥) إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بإلهام مدبر عالم بجميع المعلومات.
وثالثها (١٦) : أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق (١٧) بما به قوامهم من المطعوم ، والمشروب ، والملبوس ، والمنكوح ، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون المعادن من الجبال ، واللآلىء من البحار ، ويركبون الأدوية (١٨) والدرياقات النافعة ، ويجمعون بين الأشياء المختلفة ، ويستخرجون لذائذ الأطعمة ، فدل ذلك على أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء (١٩) ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها ،
__________________
(١) [الشعراء : ٧٧ ، ٧٨].
(٢) [المؤمنون : ١٢].
(٣) [المؤمنون : ١٤].
(٤) في ب : فصل واعلم.
(٥) في ب : مثلة. وهو تحريف.
(٦) في ب : الأول.
(٧) في ب : يقول الطبيعي إن.
(٨) في ب : خلق قلب ذلك. وهو تحريف.
(٩) في ب : الشعر والعظم.
(١٠) في ب : ومنه. وهو تحريف.
(١١) هو : سقط من ب.
(١٢) هو : سقط من ب.
(١٣) في ب : بتقدير وهو تحريف.
(١٤) في ب : الثاني.
(١٥) في ب : البعوض في ابتدائها ، وهو تحريف.
(١٦) في ب : الثالث.
(١٧) في الأصل : الخلق.
(١٨) في الأصل : الأودية. وهو تحريف.
(١٩) في ب : الإنسان. وهو تحريف.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
