«ثم یمیتکم» بعد ذلک ؛ لدلالة الکلام علیه ؛ على أن قوله : (ثُمَّ یُحْیِیکُمْ) لو کان المراد به یوم القیامة لم یمنع ذلک من إحیاء فی القبر وإماتة بعده کما قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) (١) . ولم یذکر حیاة الذین أُحیوا فی الدنیا بعد أن ماتوا . وقال فی قوم موسى : (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٢) ولم یذکر حیاتهم فی الدنیا، ولم یدلّ ذلک على أنهم لم یحییوا فی الدنیا بعد الموت . فکذلک أیضاً لا تدلّ هذه الآیة على أن المکلفین لا یُحیون فی قبورهم للثواب أو العقاب على ما أخبر به الرسول صلىاللهعليهوآله.
وقول من قال : لم یکونوا شیئاً، ذهب إلى قول العرب للشیء الدارس الخامل : إنّه میت . یرید به: خموله ودروسه وفی ضدّ ذلک یقال : هذا أمر حی، یراد به أنّه نابه متعالم (٣) فی الناس .
ومن أراد الإماتة التی هی خروج الروح من الجسد ، فإنّه أراد بقوله : (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا) أنّه خطاب لأهل القبور بعد إحیائهم فیها.
وهذا بعید ؛ لأن التوبیخ هنالک إنّما هو توبیخ على ما سلف وفرط من إجرامهم لا استعتاب واسترجاع . وقوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا) توبیخ مسْتَعْتِب، وتأنیب مُسْتَرْجِع (٤) خَلَقَه من المعاصی إلى
____________________
(١) سورة البقرة ٢ : ٢٤٣ .
(٢) سورة البقرة ٢ : ٥٥ ـ ٥٦ .
(٣) أی : مشهور معروف ، انظر : تهذیب اللغة ٢ : ٤١٥ ، المحیط فی اللغة ٢ : ٥٩ ، لسان العرب ٢ : ٤١٦ ، « علم » .
(٤) فی النسخ زیادة «من» وکیف ما قرأت ـ بفتح المیم أو کسرها ـ لا وجه لها .
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ١ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4645_Tebyan-Tafsir-Quran-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
