وقال قوم : معناه أنّ الله تعالى أحیاهم حین أخذ المیثاق منهم وهم فی صلب آدم وکساهم العقل ثمّ أماتهم ثم أحیاهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم . وقد بینا أن هذا وجه ضعیف فى نظائره ؛ لأن الخبر الوارد بذلک ضعیف (١) .
والأقوى فی معنى الآیة أن یکون المراد بذلک : تعنیف الکفار ، وإقامة الحجّة علیهم بکفرهم ، وجحودهم ما أنعم الله تعالى علیهم ، بأنهم کانوا أمواتاً قبل أن یُخلقوا فی بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم ـ یعنی نطفاً، والنطفة موات ـ ثمّ أحیاهم فأخرجهم إلى دار الدنیا أحیاء ، ثُمّ یُمیتُهُمْ ، ثمّ یحییهم فی القبر للمساءلة ، ثمّ یبعثهم یوم الحشر للحساب ، وهو قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ) : معناه ترجعون للمجازاة على الأعمال ، کقول القائل : طریقک علیّ ومرجعک إلی . یرید : إنّی مجازیک ومقتدر علیک .
وسمی الحشر رجوعاً إلى الله ؛ لأنه رجوع إلى حیث لا یتولى الحکم فیه غیر الله تعالى ، فیجازیکم على أعمالکم ، کما یقال : رجع أمر القوم إلى الأمیر أو القاضی ولا یراد به الرجوع من مکان إلى مکان ، وإنما یراد به أنّ النظر صار له خاصة دون غیره .
فإن قال قائل : لم یذکر الله إحیاءً فی القبر فکیف تثبتون عذاب القبر ؟
قلنا : قد بینا أن قوله: (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) المراد به إحیاؤهم فی القبر للمساءلة، وقوله : (ثُمَّ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ ) معناه إحیاؤهم یوم القیامة، وحذف
____________________
على الصحیحین ٢ : ٤٣٧ ، وجمعها الطبری فی جامعه ١: ١٤٦ ، وأشیر إلیها فی التفسیر المنسوب للإمام العسکری عليهالسلام : ٢١٠ ت ،٩٧ ، تفسیر القمی ١: ٣٥ ، تفسیر کتاب الله العزیز للهواری ١: ٩١ ، تفسیر السمعانی ١ : ٦٢ ، المحرّر الوجیز ١ : ١٥٧ .
(١) تقدّم الکلام حولها ضمن تفسیر الآیة المتقدمة صحیفة : ٣٤٢.
![التبيان في تفسير القرآن [ ج ١ ] التبيان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4645_Tebyan-Tafsir-Quran-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
