ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال : (فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) أي : عما يصفه به المشركون من الشرك والولد (١).
فإن قيل : أي فائدة لقوله تعالى : (رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).
فالجواب : أن هذه المناظرة وقعت مع عبدة الأصنام ، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكا في الإلهية لخالق العرش العظيم وموجد السموات والأرضين (٢).
قوله : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) اعلم أن أهل السنة (٣) استدلوا على أنه تعالى لا يسأل عما يفعل بأمور :
أحدها : أنه لو كان كل شيء معللا بعلة كانت تلك العلة (٤) معللة بعلة أخرى ولزم التسلسل ، فلا بد في قطع التسلسل من الانتهاء إلى ما يكون غنيا عن العلة ، وأولى الأشياء بذلك ذات الله تعالى ، وصفاته مبرأة عن الافتقار إلى المبدع المخصص ، فكذا فاعليته يجب أن تكون مقدسة عن (٥) الاستناد إلى الموجب والمؤثر.
وثانيها : أن فاعليته لو كانت معللة بعلة لكانت تلك العلة إما أن تكون واجبة أو ممكنة ، فإن كانت واجبة لزم من وجوبها وجوب كونها فاعلا ، وحينئذ يكون موجبا بالذات لا فاعلا باختيار. وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلا لله تعالى فتفتقر فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال.
وثالثها : أن علة فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم قديمة ، فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقرت (٦) إلى علة أخرى ولزم التسلسل.
ورابعها : أنه إن فعل فعلا لغرض فإما أن يكون متمكنا من تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة ، أو لا يكون متمكنا منه. فإن كان متمكنا منه كان توسط تلك الواسطة عبثا.
وإن لم يكن متمكنا منه كان عاجزا ، والعجز على الله تعالى محال ، وأما العجز علينا فغير ممتنع ، فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض وذلك في حق الله تعالى (٧) محال.
وخامسها : لو كان فعله معللا بغرض لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائدا إلى الله تعالى أو إلى العباد ، والأول محال ، لأنه منزه عن النفع والضر ، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن يكون عائدا إلى العباد ، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذة وعدم حصول الآلام ، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء (٨) من غير واسطة ، وإذا كان كذلك استحال أن يفعل شيئا لأجل شيء.
__________________
(١) انظر البغوي ٥ / ٤٨٠.
(٢) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٥٤ ـ ١٥٥.
(٣) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٥٥ ـ ١٥٦.
(٤) في الأصل : الصلة. وهو تحريف.
(٥) في ب : إلى.
(٦) في ب : افتقر.
(٧) تعالى : سقط من ب.
(٨) ابتداء : سقط من ب.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
