وقرأ محمد بن كعب القرظيّ «نسئا» بكسر (١) النون ، والهمزة بدل الياء ، وروي عنه أيضا ، وعن بكر بن حبيب السهميّ فتح النون مع الهمزة ، قالوا : وهو من نسأت اللّبن ، إذا صببت فيه ماء ، فاستهلك فيه ، فالمكسور أيضا كذلك الشيء المستهلك ، والمفتوح مصدر ؛ كما كان ذلك من النّسيان.
ونقل ابن عطيّة عن بكر بن حبيب (٢) «نسا» بفتح النون ، والسين ، والقصر ؛ ك «عصا» ، كأنه جعل فعلا بمعنى مفعول ؛ كالقبض بمعنى المقبوض.
و«منسيّا» نعت على المبالغة ، وأصله «منسوي» فأدغم ، وقرأ (٣) أبو جعفر ، والأعمش «منسيّا» بكسر الميم ؛ للإتباع لكسرة السين ، ولم يعتدّوا بالساكن ؛ لأنه حاجز غير حصين ؛ كقولهم : «منتن» و«منخر» ، والمقبرة والمحبرة.
قوله تعالى : (فَناداها مِنْ تَحْتِها) : قرأ (٤) الأخوان ، ونافع ، وحفص بكسر ميم «من» وجرّ «تحتها» على الجار والمجرور ، والباقون بفتحها ، ونصب «تحتها» فالقراءة الأولى تقتضي أن يكون الفاعل في «نادى» مضمرا ، وفيه تأويلان :
أحدهما : هو جبريل ، ومعنى كونه (مِنْ تَحْتِها) أنه في مكان أسفل منها ؛ ويدلّ على ذلك قراءة(٥) ابن عبّاس «فناداها ملك من تحتها» فصرّح به.
ومعنى كونه أسفل منها : إما أن يكونا معا في مكان مستو ، وهناك مبدأ معيّن ، وهو عند النّخلة ، وجبريل بعيد عنها ، فكل من كان أقرب ، كان فوق ، وكلّ من كان أبعد ، كان تحت ، وبهذا فسّر الكلبيّ قوله تعالى : (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) [الأحزاب : ١٠].
ولهذا قال بعضهم : ناداها من أقصى الوادي.
وقيل : كانت مريم على أكمة عالية ، وجبريل أسفل ؛ قاله عكرمة.
وروي عن عكرمة : أنّ جبريل ناداها من تحت النخلة (٦).
و (مِنْ تَحْتِها) على هذا فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلق بالنداء ، أي : جاء النداء من هذه الجهة.
والثاني : أنه حال من الفاعل ، أي : فناداها ، وهو تحتها.
وثاني التأويلين : أنّ الضمير لعيسى ، أي : فناداها المولود من تحت ذيلها ، والجارّ
__________________
(١) ينظر : المحتسب ٢ / ٤٠ ، والقرطبي ١١ / ٦٣ ، والبحر ٦ / ١٧٢ ، والدر المصون ٤ / ٤٩٨.
(٢) ينظر : القرطبي ١١ / ٦٣ ، والبحر ٦ / ١٧٢ ، والدر المصون ٤ / ٤٩٨.
(٣) ينظر : الكشاف ٣ / ١٢ ، والبحر ٦ / ١٧٣ ، والدر المصون ٤ / ٤٩٨.
(٤) ينظر : السبعة ٤٠٨ ، والنشر ٢ / ٣١٨ ، والتيسير ١٤٨ ، والحجة ٤٤١ ، والحجة للقراء السبعة ٥ / ١٩٦ ، ١٩٧ ، وإعراب القراءات ٢ / ١٦ ، والإتحاف ٢ / ٢٣٥.
(٥) ينظر : البحر ٦ / ١٧٣ ، والدر المصون ٤ / ٥٨٣.
(٦) ينظر : الفخر الرازي ٢١ / ١٧٥.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
