لمن تقدم عليه ، فالاستاذ إذا كان ذا شخصية مرموقة ، فان آراءه تفرض نفسها على تلاميذه ، ومن يأتي بعده ، وطالما سمعنا ان فلانا خرج على المشهور ، وكأن الاجتهاد يعني تقليد المشهور في كل شيء ، وعدم مشروعية استئناف النظر في آرائهم ومداركهم.
وتبدو هذه النزعة بوضوح في عصر ندرة المجددين من الفقهاء ؛ لأن الفقيه إذا كان ضعيفا وأراد أن يفتي فانه يتأثر بمن قبله ، واما إذا كان قويا ، ومن أصحاب المدارس الاصولية ، فيقل احتمال تأثره بمن سبقه.
يتلخص مما سبق : أن الفقيه الاول لو أخطأ في فتواه ولم يصب الواقع ؛ لأنه اعتمد على رواية ضعيفة السند في فتواه مثلا ، أو استظهر من الرواية مدلولا غير ظاهر منها ، فسيؤثر خطؤه فيمن يأتي بعده ، بينما الامر ليس كذلك في الخبر الحسي ؛ لأن الشخص الاول الذي أخبرنا بوفاة زيد لو أخطأ مثلا ، فان الثاني الذي أخبرنا بوفاة زيد يكون خطؤه مستقلا وغير متأثر بالأول ، أي ان الخطأ الثاني لا يتأثر بالاول في الاخبار الحسية ، بخلاف الاخبار الحدسية ، ولذلك يكون احتمال الموافقة والاصابة للواقع في الاخبار الحسية كبيرا ، وبالعكس في الاخبار الحدسية.
الرابع : ان احتمال الخطأ في قضية حسية يقترن عادة باحراز المقتضي للاصابة ، واحتمال الخطأ في القضية الحدسية ينشأ من احتمال عدم وجود المقتضي للاصابة ، ومن احتمال وجود المانع عن تأثير المقتضي.
ولكي تتضح هذه المسألة نشير الى بعض المصطلحات فيها ، فما هو المقتضي؟ وما هو عدم المانع؟
الجواب : المعروف ان العلة تنقسم الى العلة التامة ، والعلة الناقصة ، والتامة تتألف من المقتضي : وعدم المانع والشرط ، فاذا توفر المقتضي وعدم المانع والشرط ، يتحقق المعلول حتما ، ولذلك يقال : إذا وجدت العلة التامة وجد
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
