وهذا يعني حجيته.
وبعبارة اخرى : لمّا كان خبر العادل حجّة ، والحجيّة تعني الطريقية والعلميّة ، فيكون خبر العادل خارجا عن عموم التعليل الذي مفاده (يجب التبيّن بالنسبة لكلّ خبر لا يورث العلم). وهذا من قبيل ما لو جاء دليل يقول : (الربا حرام) وجاء آخر يقول : (لا ربا بين الوالد وولده) ، فإنّ الدليل الثاني يخرج أحد أفراد الموضوع ، وينفي كون المعاملة بين الوالد وولده ربا ، فالموضوع (الربا) لا ينطبق على المعاملة الربويّة بين الوالد وولده ، والحرمة ثابتة لعنوان وموضوع الربا ، وإذا انتفى الموضوع ينتفي حكمه. ومعنى ذلك أنّ الدليل الثاني (لا ربا بين الوالد وولده) يكون حاكما على الدليل الأوّل ، والدليل الحاكم تارة يضيّق واخرى يوسّع ، وهنا يكون مضيّقا للموضوع ، أي مخرجا لفرد من الموضوع.
وفي هذا المقام الأمر كذلك ، فإنّه إذا انتفى عنوان الظنّ عن خبر العادل ، ينتفي تبعا لذلك وجوب التبيّن ؛ لأن وجوب التبيّن يدور مدار الخبر غير العلمي ، وخبر العادل بحسب المفهوم مفاده العلم ، وبذلك يكون المفهوم حاكما على عموم التعليل ، كما أنّ (لا ربا بين الوالد وولده) حاكم على (الربا حرام) ، والدليل الحاكم هنا يخرج فردا من أفراد الموضوع ، فينتفي الحكم عن هذا الفرد.
الاستدلال على حجيّة خبر الواحد بآية النفر :
آية النفر هي قوله تعالى : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة / ١٢٢.
يبدو ان هذه الآية الكريمة تشير إلى وجوب أن ينفر من كلّ فرقة من الفرق التي كانت تسكن خارج المدينة المنوّرة طائفة ، تنفر من القبيلة أو القوم جماعة ،
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
