الاخبارات الحدسية تتعدد لدرجة تورث اليقين ، ونعبر هنا بالحدسية ، بينما في مورد التواتر عبّرنا بالحسية ، لاننا في مورد الاجماع ، نجد هذا الفقيه قد افتى بحرمة حلق اللحية ، ونجد الفقيه الثاني والثالث والرابع وهكذا ، كلهم مثلا قد افتوا بحرمة حلق اللحية ، أي نجد الفقهاء قد اجمعوا على هذه الفتوى ، ولكن لا توجد بأيدينا رواية تدل على الحكم المذكور ، لكي نستند اليها ، وانما الموجود هو مجموعة فتاوى ، وكل فتوى تمثل اخبارا حدسيا. وعلى هذا نقول : ان هذا الفقيه لو لم يجد دليلا لما افتى بالحرمة ، إذا فتواه بالحرمة تدل على وجود دليل لديه ، وهكذا الفقيه الثاني ، والثالث ، والرابع ، وهكذا ، ثم من خلال تراكم الاحتمالات ـ كما سيأتي ـ قد نصل الى اليقين ، فاذا وصلنا الى اليقين عن طريق مجموعة من الإخبارات الحدسية ، أو قل الفتاوى ، حينئذ يمكن الجزم بصدور الدليل من الشارع ، وان لم يتوفر نفس الدليل بأيدينا.
٣ ـ الآثار المحسوسة :
الوسيلة الثالثة هي الآثار المحسوسة ، كما في سيرة المتشرعة ، وهم الجماعة الذين يلتزمون في سلوكهم الحياتي بالتشريع ، أي ان سلوكهم مطابق لهدي الشارع وكونهم من المعاصرين للمعصوم عليهالسلام. ويمكن ان تشكل هذه السيرة وسيلة وجدانية لاثبات صدور الدليل من الشارع. فمثلا لو أن سيرة هؤلاء قامت على عدم حلق اللحية ، فنقول : ان هذا الأثر المحسوس (وجود اللحية في حياتهم) يمثل معلولا ، ويكشف لنا هذا المعلول كشفا إنّيّا عن علته ، وهي الدليل الشرعي على ابقاء اللحية وحرمة حلقها.
وبكلمة أخرى : أن عدم حلق اللحية لا بد من أن يكون بتوجيه من الشارع (الشارع وجّه المتشرعة الى حرمة حلق اللحية) ولكن هذا التوجيه لم يصل الينا ،
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
