جعل حكم واقعي أو ظاهري ، ولكن يفترق عنه في أنّ العقل هو الذي يحكم بالاحتياط في الاحتمال الثالث ، والأحاديث في مقام الإرشاد لهذا الحكم ، بينما في الرابع تكون الأحاديث في مقام بيان وعد للمكلّف ، بأنّه إذا احتاط سيحصل على الثواب.
الصحيح من الاحتمالات الأربعة :
ما ينفعنا في إثبات قاعدة التسامح في أدلّة السنن ، أو في إثبات حجيّة خبر غير الثقة في مورد المستحبات ، أو في مورد الأحكام غير الإلزاميّة ، هو الاحتمال الأوّل لو تمّ ، وهو جعل الحجيّة للبلوغ والوصول مطلقا ، فكلّ خبر عند ما يصلنا يكون حجّة. غير ان هذا الاحتمال الأوّل ليس صحيحا ؛ لأننا لو لاحظنا لسان روايات (من بلغ) ، لا نجده لسانا لجعل الحجيّة ؛ لأن معنى جعل الحجيّة للأمارة الظنيّة تنزيل الأمارة منزلة الواقع ، وأنّه من غير المناسب أن تجعل الحجيّة للخبر إذا كان مخالفا للواقع ، ولسان أحاديث (من بلغ) تقول : حتّى لو كان مضمون الخبر مخالفا للواقع ، وكان الاغتسال غير مستحب في الواقع مثلا ، فإنّ المولى تعالى يعطي عليه الثواب ، أي أنّها تقول : إنّ الخبر وإن لم يكن صادرا من الشارع فعليه ثواب ، ممّا يعني أنّ لسانها ليس موافقا لجعل الحجيّة ؛ لأن جعل الحجيّة معناه تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع ، وهذا يفترض أن يكون مؤدّى الأمارة واقعيّا ، ولكن أحاديث من بلغ تقول : وإن كان الشيء غير ثابت في الواقع (في الشريعة) ، ولكن مع ذلك فإنّ الله تعالى يعطي عليه ثوابا.
إذا ، لسان هذه الأحاديث هو نفي الاحتمال الأوّل ، وبالتالي عدم ثبوت الحجيّة للأخبار غير الصحيحة في مورد المستحبات ، وبذلك لا تثبت قاعدة التسامح في أدلّة السنن.
أمّا الاحتمال الثاني فهو ليس بصحيح أيضا ، اذ لا يمكن الأخذ به إلا على
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
