١ ـ نفس الاعتراض الثاني الذي تقدّم على الآية السابقة (آية الكتمان) ، صحيح أنّ اطلاق الأمر بالسؤال (فَسْئَلُوا) وإن لم يفد الجواب العلم ، يدل على وجوب القبول مطلقا ، سواء أفاد الجواب العلم أو الظن ، لكن ذلك لا يدلّ على حجيّة خبر الواحد ؛ لأن هذا الإطلاق إنّما هو بدافع الاحتياط ، وبغرض التحفّظ على المراد الواقعي ، وإلّا فالحجّة هو فقط ما لو أفاد الجواب العلم لا الظنّ ، لكن بسبب عدم وجود ضابط في المقام ، للتمييز بين ما إذا أفاد قول هؤلاء العلم أو أفاد الظن ، يكون وجوب القبول مطلقا للعلم والظن ، بدافع الاحتياط ، لا بدافع جعل الحجيّة لخبر الواحد ولو كان مفيدا للظن.
٢ ـ إنّ الآية الكريمة وردت في سياق الحديث مع المعاندين والمشككين في النبوّة من الكفّار ، وهؤلاء لا يصح أن يكون الأمر بالسؤال بالنسبة إليهم أمرا مولويّا ، بل هو أمر ارشادي ، والأمر الإرشادي لا يدل على حجيّة خبر الواحد ؛ لأن ما يدل على الحجيّة هو الأمر المولوي ، باعتبار الحجيّة إذا كانت بمعنى وجوب العمل بخبر الواحد ، فإنّ الأمر المولوي هو الذي يدلّ على الوجوب (الحكم التكليفي) ، بينما الأمر الإرشادي لا يدل على الوجوب ، بل هو توجيه وارشاد ، والأمر المولوي إنّما يكون بحقّ من يعتقد بالرسالة المقدّسة ، أمّا الكافر الذي لا يعتقد بالرسالة فلا يصحّ بحقه الأمر المولوي ؛ لأن الوجوب فرع الاعتقاد بالرسالة ، وفرع الإسلام ، فلا بدّ من اعتقاده بالرسالة الإسلاميّة أوّلا ، لكي تتوجّه له التكاليف ، وأمّا المعاند والكافر غير المعتقد بالرسالة الإسلاميّة فلا يصح توجيه الوجوب والأمر المولوي إليه ، وإنّما مثل هذا الإنسان يرشد ويوجّه ، فيقال له : يا أيّها المعاند إذا أردت أن تعرف الحقيقة فاسأل أهل الذكر (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
