من هنا يبدو أنّ خبر الواحد خارج عن ذلك وأنّ الآية الكريمة نزلت في مقام إخفاء معاجز النبوّة ، واخفاء بيّنات النبوّة (الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى) فالبيّنات تشير إلى معاجز النبوّة ، وهي تصدق على من يخفي هذه المعجزات ؛ لذلك لا يصح أن يقال لمن يخفي نقل الحكم الشرعي : إنّ إخفاءه يكون كتمانا ، ولكن يقال لمن يخفي معجزات النبوّة كذلك ، فلا تكون الآية شاملة للمورد (خبر الواحد) لأننا بصدد اثبات حجيّة خبر الواحد الذي يكون ناقلا للأحكام الشرعيّة ، وليس ما يكون ناقلا لبينات ولمعجزات النبوّة.
٢ ـ إنّ الاستدلال بالآية الكريمة يتوقّف على أن يكون وجوب القبول مطلقا ، سواء أفاد قول المبدي الظن أو أفاد العلم. لكن يمكن القول : إنّ إطلاق حرمة الكتمان ، وعدم تخصيص حرمته بصورة إفادة خبر المبدي للعلم ، هذا الإطلاق ليس من باب حجيّة الإبداء والإظهار إذا كان مفيدا للظن ، وبالتالي حجيّة خبر الواحد ، وإنّما الحجّة هو خبر المبدي إذا كان مفيدا للعلم ، ولكن من باب الاحتياط والتحفّظ على الحكم الواقعي ، أطلق الحاكم حرمة الكتمان ، أي وسّع موضوع حكمه الواقعي.
وبعبارة اخرى : أنّ من يستمع لخبر المخبر يجب عليه أن يعمل بما علم به من إخباراته ، وأمّا الظنّ فلا يجب عليه العمل به ، ولا يكون حجّة بحقّه ، وإنّما كانت حرمة الكتمان مطلقة ؛ لأن هذا المبدي والناقل للخبر لا يدري متى يكون خبره مفيدا للعلم ومتى يكون مفيدا للظن. صحيح أنّ خبره عند ما يفيد العلم يكون حجّة ، أمّا إذا أفاد الظن فلا يكون حجّة ، ولكن هو لا يدري متى يورث الظن ومتى يورث العلم لدى المستمع.
وبكلمة بدينة : إنما كان وجوب القبول مطلقا لحالة إفادة الخبر للعلم ولحالة
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
