يحكم العقل بمنجزيّة كل احتمال ، فاحتمال التكليف بأي درجة كانت يكون منجّزا للتكليف. وعلى هذا فإنّ المنذر لو جاء لقومه وأخبرهم بحرمة الشيء الفلاني ، فإنّ احتمال التكليف الموجود قبل انذار المنذر يكون منجّزا للتكليف ، كما يقتضي مسلك حق الطاعة.
وحينئذ لا يكون مفاد الآية الكريمة جعل الحجيّة لخبر المنذر ، وإنّما مفادها هو أنّ أصالة البراءة لا تجري في مورد قيام الخبر على التكليف ؛ لأن احتمال التكليف الثابت قبل مجيء خبر المنذر هو الذي ينجّز التكليف. هذا بناء على مسلك حقّ الطاعة.
وأمّا بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان ، فإنّ هذا الجواب لا يكون تامّا ، بل تكون الآية في مقام اثبات الحجيّة لخبر المنذر ، لأنّه لو لا جعل الحجيّة لخبر المنذر ، لجرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، باعتبار أنّ مجرّد احتمال التكليف لا يكون منجّزا للتكليف ، بناء على هذه القاعدة ؛ لأنّ مفادها : العقاب قبيح ، إلّا إذا حصل علم بالتكليف ، أي أنّ احتمال التكليف والظن به لا يكون منجزا للتكليف.
٣ ـ لو فرضنا أنّ الاستدلال بالآية لا يواجهه الاعتراض الأوّل ولا الثاني ، وأنّ الآية تدل على حجيّة قول المنذر ، لكن مع ذلك تكون الآية دالّة على حجيّة قول المنذر بما هو اجتهاد ، لا بما هو خبر وشهادة حسيّة ، والذي ينفعنا في المقام هو حجيّة الخبر بما هو خبر وشهادة حسيّة.
وبعبارة اخرى : أنّ الإنسان المسلم الذي تفقه بين يدي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة المنوّرة ، وعاد إلى قومه لينذرهم ، فإنّ عمليّة انذاره تعني أنّه يتحدّث لهم بما فقهه ، أي ينقل لهم ثقافته ومفاهيمه وأفكاره التي تعلّمها هناك ؛ لأن كلمة الإنذار تستبطن هذا المعنى ، بمعنى أنّه لم ينقل لهم النصوص التي سمعها ، وإنّما ينقل لهم ما فقهه وفهمه ، وهو في حديثه ونقله لهم
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
