سيرة العقلاء قائمة على ان الحيازة سبب للملكية ، وهذا لوحده ليس كافيا لاثبات الدليل الشرعي ، وانما لا بد من ان نضم الى ذلك ركنا آخر ، وهو سكوت الشارع عن الردع عن هذا السلوك ، والذي يعبر عن امضائه له ، فنقول : ان هذه السيرة ممضاة من الشارع.
بينما سيرة المتشرعة لا تكشف عن الدليل الشرعي بهذه الكيفية ، وانما تكشف عن الدليل الشرعي بكيفية أخرى ، فلا نحتاج الى ضم السكوت الدال على الامضاء الى هذه السيرة ؛ لأن سيرة المتشرعة تكشف كشفا انيا عن الدليل الشرعي ، فمثلا طريقة مسح المتشرعة لقدمهم في الوضوء ببعض الكف ، لا بد من ان تكون متلقاة مباشرة من المعصوم ، أي كانوا يرون المعصوم يفعل ذلك ففعلوا ، أو سمعوا منه ولكن لم يصل الينا ما سمعوه منه.
فكشف سيرة المتشرعة عن الدليل الشرعي من قبيل كشف المعلول عن العلة ، أي كشفا انيا ؛ لأن سيرة المتشرعة معلولة للدليل الشرعي ولتوجيه الشارع.
بينما كشف سيرة العقلاء لا يكون كذلك ، بل يكون بضم السكوت الدال على الامضاء.
ولذلك نكتفي في سيرة المتشرعة بكونها معاصرة للمعصوم ، فتكون هذه السيرة كاشفة عن الدليل الشرعي كشفا إنيا ، لانها إما أن تكون متلقاة مباشرة عن المعصوم ، أو ان هذا السلوك ـ مسح القدم ببعض الكف ـ كان ناشئا من انهم لم ينتبهوا ولم يسألوا الامام أو سألوه ولكنهم غفلوا في فهم الجواب ، غير ان هذه الاحتمالات كلها تتلاشى وتضعف بحساب الاحتمالات ، اذا لاحظنا شمول السيرة في حياة المتشرعة.
فعند ما نطبق حساب الاحتمال ، نجد ان زرارة مثلا كان يمسح قدمه ببعض
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
