الفقهاء على اصالة الاحتياط ، مع انها لا تجري في المقام ، بينما فقيه آخر اعتمد في فتواه على رواية ضعيفة السند ، وفقيه ثالث اعتمد على رواية غير وافية بالدلالة ، وهكذا ، فالمركز في الاخبارات الحدسية ، أو قل في مفردات الاجماع ، كان متعددا ، بينما المركز في الاخبارات الحسية ، أو قل في مفردات التواتر ، كان واحدا أو متقاربا على الاقل ، وكلما كان المركز واحدا أو متقاربا يكون نمو احتمال اصابة الواقع والموافقة اسرع منه مما لو كان متعددا. هذا ما ذكرناه فيما سبق في النقطة الثانية.
أما في النقطة الخامسة فالخطأ المحتمل في مفردات الاجماع (الاخبارات الحدسية) منشؤه (لا مركزه) من نكتة مشتركة ، بينما الخطأ المحتمل في التواتر (الاخبارات الحسية) لا يكون ناشئا من نكتة مشتركة. ومثال ذلك ان القدماء افتوا بتنجس ماء البئر عند وقوع النجاسة فيه ، ولذلك نجد هذه المسألة في الكتب الفقهية المتقدمة ، بينما الفقهاء المتأخرون لم يفتوا بنجاسة البئر ؛ لأن الفقهاء المتقدمين كانوا مجمعين على هذه المسألة بالاعتماد على رواية يوجد قصور في دلالتها في المقام. إذا الخطأ الذي كان موجودا نشأ من نكتة مشتركة ، فيكون احتمال النكتة المشتركة موجودا في مفردات الاجماع ، وبذلك فان نمو احتمال اصابة الواقع ابطأ منه في التواتر.
بينما في التواتر لا يكون احتمال الخطأ ناشئا من نكتة مشتركة. فمثلا في مسألة رؤية الهلال لو شهد لدينا خمسة اشخاص برؤية الهلال ، فمركز القضية هو رؤية الهلال ، ومنشأ الخطأ ، لو فرضنا ان الاول قد أخطأ ولم يكن مصيبا ، ربما كان ناشئا من التخيل ، أي خيل له من فرط تدقيق نظره وتركيزه انه يرى الهلال ، والشخص الآخر يكون خطؤه ناشئا من ضعف في بصره ، والثالث نفترض ان السبب في خطئه وعدم اصابته ، هو ان شعرة قد سقطت بمحاذاة اجفان عينه ، فسببت له التوهم في الرؤية ، والرابع سبب آخر.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
