تحليلا عقليا فلسفيا تجريديا.
ومن مواطن تغلغل علم الكلام في علم اصول الفقه هو هذا الموطن ، وهذه المسألة ترتبط بنظريتنا التي نتبناها في مسألة العصمة ، أي هل معنى كون المعصوم معصوما ان لا يصدر منه فعل مكروه ، أو يجوز ان يصدر منه المكروه ويترك الاولى احيانا ، أو يجوز ان يصدر منه المكروه ويترك الاولى لمرة واحدة؟
فما هو الموقف في هذه المسألة؟ هل العصمة تعني ان المعصوم لا يجوز في حقه فعل المكروه وترك الاولى ، أو يجوز في حقه ذلك وبشكل متكرر ، أو نقول :
لا يجوز ذلك بشكل متكرر ويجوز لمرة واحدة؟
الجواب : في مسألة العصمة توجد بيانات متعددة لعلماء الكلام ، فمنهم من قال : إن العصمة تعني ان المعصوم يترك الحرام ويفعل الواجب ، ولكن يجوز في حقه ترك الأولى وفعل المكروه في حالات محدودة. ومنهم من قال : ان العصمة تعني فعل الواجبات وترك المحرمات وجواز التكرار والمواظبة على ترك الاولى وفعل المكروه ، ومنهم من قال : ان العصمة تعني فعل الواجبات وترك المحرمات ، كما انه لا يجوز ان يفعل المعصوم المكروه أو ان يترك الاولى ولو لمرة واحدة.
إذا على اساس هذه المباني الثلاثة في تفسير العصمة ، يمكن ان نحدد الموقف في هذه المسألة ، فبناء على ان المعصوم يترك الاولى ويفعل المكروه سواء لمرة واحدة أو تكرارا ، لا يمكن ان نستفيد من الترك عدم الاستحباب ، كما لا نستفيد من الفعل عدم الكراهة ، واما ان بنينا على الموقف الاخير ، أي عدم جواز ترك الاولى وفعل المكروه عند المعصوم ، فسوف ننتهي لنتيجة جديدة ، أي لو فعل المعصوم هذا الفعل (شرب الماء واقفا مثلا) نستفيد ان هذا الفعل ليس مكروها ، وإلّا لو كان مكروها لما صدر منه ؛ لأنه لا يجوز ان يصدر منه المكروه ، ولو لمرة واحدة.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
