هل النهي مدلوله طلب الترك ، فيكون الترك أمرا عدميا ، أو ان مدلوله طلب الكف ، والكف حالة نفسية ، وهي أمر وجودي؟
قيل : إن النهي هو طلب الكف ، واستدل على ذلك بأن طلب الترك أمر عدمي ، والامور العدمية أمور أزلية ، فمعنى عدم الشيء انه معدوم منذ الأزل. والامور الازلية خارجة عن قدرة المكلف ؛ لأنّ ما هو مقدور للمكلف هو الأمر الذي يمكن ان يوجد ، والأمر الأزلي ليس له بداية ، ولما لم تكن له بداية فهو خارج عن قدرة المكلف ، فإذا كان خارجا عن قدرة المكلف يستحيل التكليف به اثباتا أو نفيا.
وبعبارة أخرى لا بد من أن يكون متعلق التكليف أمرا مقدورا للمكلف ، فلا يقال للمكلف مثلا : طرفي الهواء ؛ لأنّ هذا غير مقدور له ، ولا يقال له : لا تتنفس ، ولا يقال : لا تجري الدم في عروقك.
ويمكن أن يناقش هذا الكلام ، فيقال : صحيح ان الترك أمر عدمي ، وهذا الأمر العدمي خارج عن قدرة المكلف لكونه أزليا ، ولكنّ بقاءه مقدور للمكلف ، فان بامكان المكلف أن يحوّل الأمر العدمي الى أمر وجودي ، فإذا كذب يتحول ترك الكذب أي عدم الكذب الى الكذب ، والكذب أمر وجودي.
وما دام في بقائه وفي استمراره مقدورا للمكلف فيعقل ان يتعلق التكليف به بقاء واستمرارا ، من حيث هو مقدور للمكلف. صحيح ان ترك الكذب يعني عدم الكذب ، وقد كان قبل وجود المكلف ، وهو أمر غير مقدور لأنه أزلي ، لكن المكلف في حياته يمكنه ان يكذب ، فهو اذن مقدور في استمراره وبقائه ، فما دام مقدورا بقاء إذا نتعقل التكليف به ، ويكون التكليف به تكليفا بالمقدور وليس تكليفا بغير المقدور.
أما الذي يقول : إن النهي هو طلب الترك ، فأيضا برهن على ان تفسير النهي بكونه طلب الكف غير صحيح ؛ لأنّه لو لم يحصل للمكلف كف ، كما لو فرضنا ان
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
