الذهن البشري ، أي هناك حالة مفطور عليها ذهن الانسان ، وهذه الحالة ندركها في حياتنا الطبيعية ، وهي انه كلما اقترن شيئان فالذهن البشري عادة ينتقل من أحدهما الى الآخر. هذه الحالة نراها دائما عند ما نرى اصدقاء اثنين أو ثلاثة مقترنين ، فإذا لاحظنا أحدهما انتقل ذهننا الى الآخر. وهذا منشؤه وجود حالة فطرية تكوينية طبيعية في الذهن البشري ، وهي انه كلما لاحظ بصورة مكررة أمرين وربط وقرن بينهما ، فاذا ربط بينهما ، فانه كلما تصور احدهما انتقل الى الثاني ، كالاقتران بين الزئير والاسد ، أو الرعد وضوئه.
والاقتران بين أمرين تارة يكون بنحو طبيعي كالمثالين المتقدمين ، وأخرى يكون الاقتران بسبب الجعل والوضع ، فالواضع هو الذي يقرن بين أمرين كما في عملية الوضع اللغوي ، أو كما في علامات المرور التي وضعت للدلالة على منع التوقف أو توجيه حركة المرور.
والألفاظ والمعاني هكذا ، فعند ما يوضع لفظ لمعنى ، كالماء الموضوع لمعنى ماء ، فليس بمجرّد ان اعتبر اللفظ للمعنى يتحقق الوضع وتتحقق السببية ، ولكن لا بد من أن تحصل عملية تكرار أو ظرف مؤثر يوجب الاقتران الأكيد ، بمعنى ان الوضع يستتبع تارة عاملا كميا هو كثرة الاستعمال ، وتارة عاملا كيفيا هو الظرف المؤثر ، فيحصل الاقتران ويترسخ كلما تكررت العملية ، وحينئذ يتحقق الوضع.
إذا الوضع هو اقتران وثيق بين اللفظ والمعنى ، فكلما تمّ تصور اللفظ يتمّ تصور المعنى.
ومن ذلك نعرف ان الوضع هو سبب الدلالة التصورية ، أما الدلالة التصديقية الأولى والثانية ، اي الدلالة على قصد الاخطار ، وقصد الحكاية والاخبار في الجملة الخبرية مثلا ، فتتولدان من حال المتكلم ، بناء على النظرية الثانية والرابعة.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
