الواضحات أنّها ليست من اللّه قطعاً بوجه من الوجوه :
أمّا أوّلاً : فلأنّه لو كانت تلك القوانين أيضاً من اللّه ، أو بحيث أجاز اللّه استعمالها في الدين ، والاعتماد عليها في الشريعة لكانت كغيرها ممّا ثبت بالكتاب والسُّنّة حجّيّته ، كما هو مقتضى ما نحن فيه من التصريح بالامتنان بالتعليم والتبيان ونحوهما ، ولا أقلّ من وجدان آية محكمة ، أو سُنّة ثابتة ، تدعو أو تحوج إلى التكلّف في إدخالها ، مع أنّ الأمر بالعكس .
وأمّا ثانياً : فلأنّه قد أشبعنا الكلام سابقاً ، لاسيّما في فصول الباب الرابع من المقدّمة في أنّ اللّه عزوجل لم يرض لعباده بالتفرّق والاختلاف مطلقاً ، وأنّه لرفع ذلك أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، وبيّن كلّ شيء تبياناً .
ومن أوضح الواضحات ـ كما بيّنّا أيضاً ـ أنّ عمدة منشأ الاختلاف ومادّة التفرّق إنّما هي الاعتماد على تلك القوانين المذكورة ، فكيف يمكن حينئذٍ احتمال دخولها فيما علّمه اللّه ، أو أجازه ، فضلاً عن التكلّف في إدخالها ؟
وأمّا ثالثاً : فلأنّه قد بيّنّا في الباب المذكور ما هو مسلّم أيضاً من كون إفادات تلك القواعد ظنّيّة ومحتملة الخطأ والغلط ، وأنّ نصوص الكتاب والسُّنّة صريحة في ذمّ الاستناد إلى الظنّ والاعتماد عليه ، وأنّه من علامة الجهالة ، ومن أعمال أهل الكفر والضلالة ، فكيف يتصوّر مع هذا احتمال كونها مصداق ما سمّاه اللّه في الكتاب بالنور والحكمة والهدى والحقّ والصواب ؟
وأمّا رابعاً : فلأنّه قد بيّنّا في الباب المذكور أيضاً ، لاسيّما في ثاني فصوله دلالة الآيات المتظافرة ، وصراحة الروايات المتكاثرة ، وتصريحات من أعيان الصحابة ، والعترة الطاهرة ، واعترافات من أكثر علماء الأُمّة بما
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
