المقالة الرابعة :
في بيان ما هو من لوازم سابقه أيضاً من لزوم كون المعلّم عالماً بما يحتاج إليه المتعلّم وكُلّف به على ما هو عليه عند اللّه ، علماً بيّناً ثابتاً غير متزلزل ، لا يتطرّق إليه الغلط ، ولا يحتمل الخطأ والاشتباه .
لا يخفى أنّ من البيّنات الواضحة أنّ الجاهل بالشيء ليس بقابل لأن يُتعلّم ذلك الشيء منه ، بل لا يمكنه تعليمه ، فيجب بالضرورة أن يكون المعلّم لشيءٍ عالماً به ، ولا شكّ أنّ أصل حقيقة مفهوم العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، فالعالم بالشيء حقيقةً إنّما هو الجازم به جزماً موافقاً لما هو عليه في نفس الأمر ، ضرروة صدق نفي العلم عن الظانّ به ، والمخطئ فيه دون مثل هذا العالم ، فاليقين ببرء الذمّة إنّما يكون فيما إذا كان التعلّم من مثل هذا المعلّم .
وقد تبيّن ممّا تقدّم وجوب التعبّد على وفق أمر اللّه تعالى وإرادته ، وأنّ ذلك موجب للتعلّم والتعليم ووجود المعلّم ، فلا محالة لا بُدَّ أن يكون هذا المعلّم عارفاً بما كلّف اللّه العباد به على سبيل العلم والقطع الذي لا يحتمل الخطأ ؛ ليحصل حينئذٍ اليقين ببرء الذمّة من العمل بما أخذ منه .
هذا ، مع ما مرّ سابقاً ـ لا سيّما في الفصل الثاني من الباب الرابع من المقدّمة ـ من عدم جواز الاعتماد على الآراء والظنون الحاصلة من الخيالات العقليّة وأمثالها ، بل بطلان التعبّد والتديّن بها ، فإذن لا مجال للشكّ في لزوم كون هذا المعلّم كاملاً بحسب الكيفيّة والكمّيّة ؛ بحيث لا يكون شيء من فتواه ولو في مسألة واحدة على غير نهج العلم القطعي بكونه حكم اللّه في حقّه .
وحيث تبيّن سابقاً ما هو ظاهر في نفسه أيضاً ؛ من دوام التكليف
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
