المقالة الخامسة :
في بيان ما هو من اللوازم أيضاً من لزوم كون المعلّم صدوقاً ، بيّن الصدق ، موثوقاً به في جميع الأقوال والأفعال ، غير مقدوح بالكذب في حال من الأحوال ، وبالجملة : يكون معصوماً من الخطأ والخلل والعثار والزلل .
إعلم أنّه من الواضحات البيّنة أنّه لا يحصل العلم بصدق قولٍ صادرٍ من الكاذب ، ولا ممّن يحتمل من حاله ذلك بمحض إخباره ؛ ضرورة عدم حصول اليقين بالشيء عند قيام احتمال كونه خلاف الواقع ، وكذا لا يحصل العلم المذكور ولا اليقين بالشيء إذا تطرّق إليه احتمال كونه خطأً ولو ناشئاً من التوهّم ، فإذاً لا محالة حصول العلم واليقين يكون موقوفاً على ثبوت موجب الحكم بالصدق والصحّة ، بأن يكون هناك دليل قاطع على كون ذلك القول بخصوصه صدقاً وحقّاً ، أو على أنّه من شأن قائله أنّه لا يكذب ولا يخطأ أبداً ، كالأنبياء مثلاً .
وقد تبيّن من المقالة السابقة وغيرها لزوم وجود المعلّم الذي ذكرناه للمكلّفين ، يكون مرجعاً لهم في اُمور الدين ، يأخذون عنه ما لا يعلمون ، ويتعلّمون منه ما به يتعبّدون .
فعلى هذا ، لا بدّ أن يكون ذلك المعلّم بحيث لا يحتمل كلامه الكذب ، ولا يتطرّق إليه احتمال التوهّم والخطأ ، حتّى يصحّ الاعتماد عليه والوثوق به ، ويتحقّق العلم القطعي بأنّ تبليغه وإرشاده على وفق أمر اللّه وإرادته ؛ إذ لولا ذلك لوجب على كلّ أحد تحقيق حقيقة كلّ واحد واحد من أقواله من أمر خارج موجب للقطع بذلك ، وهو ممّا يحكم بديهة العقل بعدم إمكانه ، بل أنّه عين الحرج المنفيّ في الشرع .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
