فقال له : «لم أكُ بالذي أعبد من لم أره» ، فقال له : كيف رأيته ؟ فقال له : «ويحك ، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، معروف بالدلالات ، منعوتٌ بالعلامات ، لا يُقاس بالناس ، ولا تُدركه (١) الحـواسّ» إلى آخـر كلامه الطويل الذي ذكـره في معرفة اللّه عزوجل ، فانصرف الرجل وهو يقول : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته (٢) .
أقول : لا يخفى أنّ في هذا الحديث دليلاً على أنّه عليهالسلام كان ينفي عن اللّه رؤية الأبصار ، وأنّ معنى الرؤية ما ذكره عليهالسلام ، فلم يفهم عامّة العامّة أنّ المراد فيما ورد من ذلك ما معناه ، فقالوا بالرؤية التي هي التشبيه الصريح ، والكفر الفضيح ، والحقّ أنّ أكثر مراتب التوحيد وما يتعلّق بمعرفة اللّه حقّاً علم من بركات تعليم أمير المؤمنين وذرّيّته الأئمّة الطاهرين عليهمالسلام ، كما ينادي به أخبارهم ؛ ولهذا تاه من تركهم ، وضلّ من لم يأخذ منهم ، فافهم .
وقد روى جمع كثير من الفريقين عن جماعة منهم : الحسن البصريّ ، ومنهم : سليم بن قيس ، والأصبغ ، وغيرهم : أنّ رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين عليهالسلام بعد انصرافه من حرب صفّين ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، خبّرنا عمّا كان بيننا وبين هؤلاء القوم من الحرب ، أكان بقضاء وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين عليهالسلام : «ما عَلَوتم تَلعةً ولا هبطتم وادياً إلاّ وللّه فيه قضاء وقدر» ، فقال الرجل : فعند اللّه أحتسب عنائي ، فقال له أمير المؤمنين عليهالسلام :
__________________
(١) في «م» زيادة : «والأبصار» .
(٢) انظر : أمالي الصدوق : ٤٢٣ / ٥٦٠ ، التوحيد للصدوق : ١٠٩ / ٦ و٣٠٥ / ١ ، الإرشاد للمفيد ١ : ٢٢٤، ٢٢٥ ، الأمالي للمرتضى ١ : ١٥٠ ، الاحتجاج ١ : ٤٩٣ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
