الاتّصاف بالعصمة وكمال الوثوق بهم ممّا لا يمكن التشكيك فيه ، ولا يتطرّق إليه الإنكار ، حتّى ولو فُرض محالاً عدم لزوم العصمة في النبوّة والإمامة ؛ إذ من الواضحات عند كلّ بصير منصف متأمّل في تفصيل ما أشرنا إليه ، لا سيّما في حقّ عليٍّ عليهالسلام أنّ اجتماع جميع تلك المزايا الفاضلة ، والكمالات العالية ، والمراتب الجليلة التي لم يدرك كثيراً منها أكثر الأنبياء عليهمالسلام ممّا لا يتصوّر ، بل لا يصلح إلاّ لمن لا يصدر منه ترك الأولى أيضاً أصلاً فضلاً عن غيره ، وظاهر أنّ هذا فوق مرتبة العصمة المعهودة ، فلا أقلّ حينئذٍ من القول بعصمتهم ؛ ولهذا التجأ جمع من مخالفينا القائلين بعدم اشتراط العصمة في الإمامة إلى القول بعصمة عليٍّ عليهالسلام .
قال ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة : نصّ ابن متّويه (١) في كتاب الكفاية على أنّ عليّاً عليهالسلام معصوم وإن لم يكن واجبَ العصمة ، ولا العصمة شرطاً في الإمامة ؛ لأنّ أدلّة النصوص قد دلّت على عصمته ، والقطع على باطنه ومغيبه ، وأنّ ذلك أمر اختصّ هو به دون غيره من الصحابة ، قال : والفرق ظاهر بين قولنا : زيد معصوم ، وقولنا : زيد واجب العصمة لأنّه إمام ، ومن شرط الإمام أن يكون معصوماً ، فالاعتبار الأوّل مذهبنا ، والاعتبار الثاني مذهب الإماميّة (٢) . انتهى .
على أنّ لنا أن نقول على سبيل المسامحة والمساهلة : إنّه قد دلّ أصل دليلنا ـ كما بيّنّاه مفصّلاً في المقالة الخامسة ـ على لزوم كون المعلّم في كلّ زمان مأموناً موثوقاً به من كلّ جهة ، وأنّه لأجل هذا كان النبيّ صلىاللهعليهوآله كذلك ،
__________________
(١) هو أبو محمّد ابن متّويه ، ولم نعثر على ترجمة له ، وفي حاشية نسخة «ن» : «مردويه» .
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٣٧٦ ـ ٣٧٧ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
