ولا يخفى أنّ العلم بوجود هذه الحالة في المعلّم إنّما يحصل عادةً إذا علم منه كمال التقوى والورع ، والاجتناب عن مخالفة اللّه تعالى من كلّ وجه ؛ بحيث لا يصدر منه ذنب ولا خطيئة ، بل يكون بحيث لا يحتمل فيه ذلك ؛ ضرورة أنّ صدور المخالفة منه ـ بل تطرّق احتمال ذلك فيه ولو على غير وجه التعمّد وعدم المبالاة ـ ممّا ينفتح به باب احتمال صدور الكذب والزلل منه في التعليم أيضاً ، وعدم سكون النفس إلى قبول قوله وثوقاً بمثل ما تطمئنّ إلى قول من لا يجوز عليه شيء من ذلك ، وكأنّه لأجل هذا جعل اللّه اُمناءه في الدين كالأنبياء والمرسلين وأوصيائهم الصدّيقين بهذه المثابة ، كما سيظهر غاية الظهور ، بل سيظهر أنّه عزوجل جعلهم بهذه المنزلة في الدرجة القصوى ، بحيث لمّا صدر من بعضٍ منهم شيء من ترك الأولى عاتبهم بذلك بالمعاتبة العظمى ، ليظهر عليهم وعلى غيرهم أنّه سبحانه إذا أكمل أحداً بحيث صار عنده في مقام لا يتصوّر في حقّه صدور ما يستحقّ به عذاب النار ، وجب عليه الالتزام بآداب منزلة القرب ودرجة الاعتبار ، بحيث لم يكن يجوز عنده فعل ما يورث العتاب عليه والملام ، وإن لم يكن ممّا عليه الحرام ، بل وإن كان ممّا فيه المصالح المرغوبة ، بل وإن كان بالنسبة إلى غيره من الاُمور المطلوبة ، كما قيل : «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين» (١) ، فتأمّل فيه صادقاً حتّى يظهر عليك فساد توهّم بعض الجاهلين الذين نزّلوا الأنبياء عن مرتبة العصمة ، حتّى أدخلوهم في
__________________
(١) كشف الغمّة ٢ : ٢٥٤ ، الأربعون حديثاً للبهائي : ٣١٣ ، بحار الأنوار ٨٩ : ٢٤٢ ، تاريخ بغداد ٤ : ٢٧٧ ، ضمن ترجمة أبي سعيد الخزّاز ، تحت رقم ٢٠٢٥ ، وذكر أنّه كان يقول هذه العبارة ، المقاصد الحسنة : ٢٢٤ / ٤٠٤ ، الشذرة في الأحاديث المشتهرة ١ : ٢٥٤ / ٣٥٧ ، تذكرة الموضوعات : ١٨٨ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
