بالتعبّد المذكور ، ووجوب التعلّم والتعليم ، ووجود المعلّم ما دام هذا التكليف ، ظهر أن لا بُدَّ في كلّ زمان طول بقاء التكليف من عالم ربّانيّ يعلم جميع ما يحتاج إليه العباد من المسائل الدينيّة علماً ثابتاً لا يحتمل فيه الخطأ والزلل ؛ بحيث لا يعجز عن حقّ المقال عند كلّ سؤال ، ولا يتشبّث بشيء من نحو الرأي والظنّ والخيال في حال من الأحوال .
وكفى في هذا شاهداً ما مرّ ويأتي مفصّلاً من جريان عادة اللّه تعالى من بدء خلق عباده بأن خلق لهدايتهم رجالاً اصطفاهم بكمال العلم وتمام الكمال على هذا النهج الذي بيّنّا أنّه من شروط المعلّم ، فجعل بعضهم الأنبياء ، وبعضاً منهم الأوصياء ، وعلّم كلاًّ منهم من لدنه ما تحتاج إليه رعيّته ؛ بحيث لم يحتج أحد منهم برأي ظنّيّ ، ولا خيال عقليّ ، كما ظهر ممّا مرّ في الفصل المذكور وغيره ، ويتّضح فيما بَعْدُ أيضاً حقّ الاتّضاح ، حتّى أنّه جعل أوّل من خلق من المكلّفين آدم عليهالسلام ـ الذي هو أوّل المعلّمين ـ ليشير إلى أنّه لم يترك زماناً خالياً من عالم ربّانيّ موصوف بما قلناه ، كما هو صريح ما مرّ (١) في المقالة السابقة من كلام أمير المؤمنين عليهالسلام وغيره ، ويتبيّن واضحاً فيما يأتي من أحوال الأئمّة الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، فلولا أنّه لم يجز عند اللّه ترك الناس وآرائهم وما يدركونه بعقولهم ، أو أخذهم شيئاً من أمر الدين من الذي لم يعلمه من اللّه تعالى ، بل اتّخذه من الرأي والظنّ دون اليقين ، لَما قرّر لكلّ قومٍ هادياً من المعلومين ، ولَما ألزم الناس بمتابعة اُولئك المذكورين ، ولَما طعن على أهل الظنّ والخرص والتخمين ، ولَما عدّهم في مواضع عديدة من
__________________
(١) راجع ص ٣٥ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
