فوجد شابّاً حدثاً يبكي وحوله قوم ، فسأله عنهم ، فقال : إنّ شُريحاً (١) قضى علَيَّ قضيّة لم يُنْصِفْني فيها ، قال : «وما شأنك؟» ، قال : إنّ هؤلاء النفر ـ وأومأ إلى نفر حضور ـ أخرجوا أبي معهم في سفر ، فرجعوا ولم يَرجع أبي ، فسألتهم عنه ، فقالوا : مات ، فسألتهم عن ماله الذي استصحبه ، قالوا : ما نعرف له مالاً ، فاستحلفهم شريح وتقدّم إلَيَّ بترك التعرّض لهم .
فقال أمير المؤمنين عليهالسلام لِقَنبر : «إجمع القوم وادعُ لي شُرَطة الخميس» ، ثمّ جلس ودعا النفر والحَدَث معهم ، فسأله عمّا قال ، فادّعى الدعوى وجعل يبكي ويقول : أنا واللّه ، أتَّهمهم على أبي يا أمير المؤمنين ، فإنّهم احتالوا عليه حتّى أخرجوه معهم ، وطَمِعوا في ماله ، فسأل أمير المؤمنين عليهالسلام القوم ، فقالوا كما قالوا لشريح : مات الرجل ولم نعرف له مالاً ، فنظر أمير المؤمنين عليهالسلام في وجوههم ، ثمّ قال لهم : «ماذا تظنّون ؟ أتظنّون أنّي لا أعلم ما ذا صنعتم بأبي هذا الفتى ؟ إنّي إذاً لقليل العلم» .
ثمّ أمر بهم أن يُفرّقوا ، فَفُرِّقوا في المسجد ، وأُقيم كلُّ واحد منهم إلى جانب أُسطوانة من أساطين المسجد ، ثمّ دعا عُبيداللّه بن أبي رافع كاتبه يومئذٍ ، فقال له : «اجلس» ، ثمّ دعا واحداً منهم ، فقال له : «أخبرني ولا تَرفع صوتك في أيّ يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الغلام معكم ؟» ، فقال : في يوم كذا وكذا ، فقال لعُبيداللّه : «أُكتب» ، ثمّ قال له : «في أيّ شهر كان ؟» ،
__________________
(١) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم ، يكنّى أبا أُميّة ، المعروف بشريح القاضي ، وفي نسبه اختلاف كثير ، كان من كبار التابعين ، وأدرك الجاهليّة ، وولاّه عمر قضاء الكوفة ، فأقام على قضائها ٦٠ سنة .
مات سنة ٨٧ هـ ، وقيل : سنة ٨٢ هـ .
انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد ٦ : ١٣١ ، المعارف لابن قتيبة : ٤٣٣ ، وفيات الأعيان ٢ : ٤٦٠ / ٢٩٠ ، سير أعلام النبلاء ٤ : ١٠٠ / ٣٢ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
