مما ينبغي والقبح مما لا ينبغي ، فإدراكنا لقبح الكذب وحسن الصدق من مدركات العقل العملي. إذا يصنف العقل تبعا لنوع المدرك.
والذي يجيب عن هذا السؤال هو العقل العملي ، فإنّ هذا العقل يحكم أنّ المولى له حقّ الطاعة في كلّ درجة من درجات انكشاف تكاليفه ، من القطع والظن والاحتمال ؛ لانّ الانسان مخلوق لله وكلّ ما في حياته مفاض منه تعالى ، وحينئذ لا يحقّ له أن يتصرف بأي شيء إلا أن يحرز رضا الخالق تعالى.
فلو لاحظنا حكم التدخين مثلا ، فان التبغ مخلوق لله تعالى ، واليد التي نتناول بها السيجارة مخلوقة لله ، وهكذا الفم الذي يمتصّ الدخان مخلوق لله ، والإرادة نفسها مخلوقة لله. وكلّ الأدوات التي نتصرف بها مخلوقة لله ، فاذا لم نحرز رضاه وكان لدينا احتمال أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى ، فحينئذ لا يحكم العقل بأنّ هذا التصرف صحيح ، فلو فرضنا أنّ هناك كتابا لصديقك تحتمل ١% أنه لا يرضى أن تتصرف به ، فلا يجوز لك أن تتصرف به ، أي لا بد لك من ان تتيقن رضاه قبل أن تتصرف بكتابه. مع أنّ ملكية الانسان للكتاب ملكية اعتبارية وليست حقيقية ، بينما الله سبحانه وتعالى يملك الانسان وكلّ شيء في عالم الامكان ملكية حقيقية. ولذلك إذا أراد الانسان أن يتصرف بشيء واحتمل أنّ المولى لا يرضى فمثل هذا التصرف ليس بصحيح.
وعلى هذا الأساس يحكم العقل بأنّ أي مستوى من مستويات انكشاف التكليف ولو بدرجة ضئيلة جدّا يكون منجزا للتكليف في ذمة المكلف. فالعقل يحكم بأن المنجزية والحجية ثابتة لكلّ انكشاف.
إذا ما هو الفرق بين المنجزية الثابتة للانكشاف التام (القطع) ، والمنجزية الثابتة للانكشاف الناقص (الظن أو الاحتمال)؟
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ١ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4660_mohazerat-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
