ـ وقد مرّ ويأتي أيضاً ـ من أنّ مدار الناس كان في جميع زمان النبيّ صلىاللهعليهوآله على أنّه مهما تبيّن لأحد حقّيّته بالمعجزات الباهرات فآمن به ، ودخل في الدين اتّبع محض قوله وفعله في جميع الاُمور من وجود الباري وتوحيده وصفاته إلى سائر الأعمال والأفعال ، من غير تفتيش دليل ذلك سواء كان أم لم يكن ، حتّى أنّهم لو وجدوا أدلّةً لم يعبوا بها ، حيث علموا أنّ أصل ما جاء به ليس إلاّ من اللّه عزوجل ، كما هو صريح قوله تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) (١) الآية ، وأمثالها .
نعم ، قد كان يصدر أحياناً ممّن كان كافراً أو منافقاً أو من في قلبه مرض نوع تعريض في لحن المقال ، أو صريح تشكيك بالمعارضة والجدال ، ومن البيّن أنّ منشأ ذلك إنّما كان لعدم الاعتماد منهم على كلام اللّه المتعال ، أو عدم تصديق النبيّ صلىاللهعليهوآله في أنّه قال من اللّه ما قال ؛ ولهذا كان يرد حينئذٍ من اللّه ورسوله في جوابهم ما يبيّن الحقّ ، ويقطع ظهور شكوكهم على نهج مسلكهم ، مع ما في ذلك من مزيد توضيح للحقّ على أهله ، وتعليمهم لما يردّون به شكوك الجاهلين بالدين ، وإلاّ فلا شكّ في أنّ مناط عمل المؤمنين الموقنين إنّما كان الورود من اللّه ربّ العالمين ، دون ما سواه ممّا بيّنّاه سابقاً أنّه كان من شبهات إبليس أوّلاً ، ثمّ صار معمولاً بين أتباعه إلى أن اشتهر بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله في هذه الأُمّة أيضاً ، بحيث لم يخلص من الابتلاء به سوى الإماميّة الاثني عشريّة خاصة .
ثمّ مع هذا كلّه لا سترة في كون ما نحن فيه ممّا ينادي به آيات بيّنات ، وروايات واضحات ، كما يأتي كثير منها لاسيّما في المقالة الآتية ، ونذكر هاهنا أيضاً ما يكفي لصاحب البصيرة .
__________________
(١) سورة النجم ٥٣ : ٣ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
