المعلّم ، ومع هذا بعد بذله ما أمكنه وتيسّر له من الجدّ والجهد في تحقيق كون ذلك كلام المعلّم ومراده وإن لم يعلم كونه كذلك يقيناً ، بل ولو لم يكن مصيباً حقّ الإصابة واقعاً ؛ لأنّ ذلك من باب الرخصة ورفع الحرج عن الناس ، واستخلاصهم من التحيّر حين لا يمكنهم الوصول إلى المعلّم ، وأخذ الأحكام الواقعيّة منه ، كما مرّ بيان لهذا في الفصل الأخير من الباب الرابع عند ذكر مذهب الإماميّة ومسلك علمائهم .
وبالجملة : إنّ الواجب على العباد ـ كما بيّنّا آنفاً وسابقاً ـ أخذ ما يحتاجون إليه من أُمور دينهم من المعلّم الذي بيّنّا أوصافه ، لا يكون غير ذلك ولا يجوز ، إلاّ أنّه لمّا علم اللّه تعالى بعلمه الكامل أنّ كلّ أحد لا يتمكّن من الوصول إلى المعلّم ، لاسيّما في كلّ حين ، ولا يقدر على استعلام كلّ شيء منه على اليقين ، لاسيّما في زمن استيلاء دولة الظالمين ، واستخفاء أهل الدين ، فأجاز لأجل ذلك المراجعة حينئذٍ إلى هؤلاء الوسائط المذكورين ، والاكتفاء بما يحصل به نوع من الوثوق بكونه من المعلّمين وإن لم يصل إلى مرتبة اليقين ، تخفيفاً منه للمعذورين ، ودفعاً للزوم الحرج في الدين .
ففي الحقيقة هذا أيضاً نوع من الأخذ من المعلّمين أسقط اللّه تعالى فيه بعض الشرائط تخفيفاً للمعذورين ، وبيّن لنا خروج هذا عن الضابطة بالنصوص المفيدة لليقين ، بحيث صارت المسألة ـ كما ذكرنا آنفاً ـ من ضروريّات الدين ، فتأمّل صادقاً حتّى يتّضح لك توهّم من لم يحط علماً بما بيّنّاه ، فزعم أنّ تجويز الاعتماد على فهم هؤلاء الوسائط مستلزم لجواز العمل بالظنون ولو اضطراراً ، وهو خلاف ما عليه أساس مذهب الإماميّة من عدم جواز الاعتماد على غير ما علم قطعاً وروده من المعلّم المعصوم
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
