بدر وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : يا قوم ، ألا اُخبركم بأقلّ القوم مالاً ، وأكثرهم ورعاً ، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة ؟ قالوا : من هو ؟ قال: عليّ بن أبي طالب ، قال عروة : فواللّه ، إن كان في جماعة أهل المسجد إلاّ مُعرِض عنه بوجهه ! ثمّ انتدب له رجل من الأنصار ، فقال له : يا عُويمر ، لقد تكلّمت بكلمةٍ ما وافقَك عليها أحد مذ أتيت بها .
فقال أبو الدرداء: يا قوم ، إنّي قائل ما رأيت ، وليقل كلّ قومٍ منكم ما (رأوا ، شهدتُ عليّ بن أبي طالب عليهالسلام بشويحات (١) بني النجّار ، وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه ، فافتقدتُه وقربت منه ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول ، ثمّ نقل بعض كلماته في المناجاة ، إلى أن قال : فاستترت له ، وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل ، ثمّ شرع في الدعاء والبكاء والمناجاة ، وذكر بعض كلماته ، إلى أن قال : ثمّ إنّه قال : «آهٍ من نارٍ تُنضج الأكباد والكُلى ، آهٍ من نارٍ نزّاعةٍ للشوى ، آهٍ من غمرةٍ من لهبات لظى» .
قال : ثمّ أنعم في البكاء ، فلم أسمع له حِسّاً ولا حركةً ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، فأتيته لاُوقظه لصلاة الفجر ، فإذا هو كالخَشبة المُلقاة فحرّكته فلم يتحرّك وزوّيته فلم ينزوِ ، فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، مات واللّه ، عليّ بن أبي طالب ، قال : فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة : « . . . هي واللّه ، الغَشية التي تأخذه من خشية اللّه» ، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ونظر إلَيَّ وأنا أبكي ، فقال لي : «وممّ بكاؤكَ ؟» فقلت: ممّا أراه تُنزله بنفسك ، فقال : «فكيف ؟ ولو رأيتني وقد
__________________
(١) كذا في النسخ ، والصحيح : «بشويحطات» ، كما في المصدر ، وهو شجر يتّخذ منه القسيّ . انظر : بحار الأنوار ٤١ : ١٢ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
