تبيّن أنّ التعبّد المذكور لا بدّ أن لا يكون إلاّ على وفق أمر اللّه وإرادته ، فلا محالة يكون المراد حينئذٍ بالعلم المتعلّق به ، الذي ظهر وجوب تحصيله بالتعلّم ، لتشخيص ما أراده اللّه من العباد وأمرهم به ، وما كرهه لهم ونهى عنه ، وظاهرٌ أنّ ذلك على أنواع ؛ إذ منها : ما يتعلّق بأصناف المكلّفين ، وعلائم أهل الحقّ والمبطلين ، وأوصاف الحُجج في الدين .
ومنها : ما يتعلّق بمعرفة اللّه وتوحيده ، كتعلّم ما هو من خصائص ذاته وصفاته وأفعاله ، وسائر ما هو من هذا النوع .
ومنها : ما يتعلّق بأفعال العباد وما أمرهم اللّه به أو نهاهم عنه ، كتعلّم العبادات والمعاملات والأحكام والأخلاق ، وسائر ما هو من هذا النوع .
ومنها : ما يتعلّق بأحوال المعاد ، والحشر ، والحساب ، والثواب ، والعقاب ، وسائر ما هو هذا النوع .
فعلى هذا ، لابدّ من معرفة هذه الأشياء كلّها على ما هي عليه عند اللّه سبحانه وفي نفس الأمر ، حتّى يمكن الإتيان بحقّ تعبّده الذي أوجبه ، وذلك إنّما يكون بالتعلّم من القابل المتعلّم منه ، العالم بذلك ، لا بالخيالات العقليّة والاستحسانات الآرائيّة ، فلا محالة وجب أوّلاً تفحّص هذا المعلّم العالم من اللّه سبحانه ، كما سيظهر ظهوراً بيّناً ؛ ولهذا قال عزوجل : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ) (١) ولم يكلّف أحداً بأمرٍ إلاّ بعدما أرسل الرسل ، وأوضح السبيل بعد ذلك ، ثمّ كلّف العباد بما كلّف كلاًّ منهم على قدر فهمه ، ووصول إدراكه ، وقوّة عقله ، وجودة ذهنه ولو على التفاوت أيضاً بحسب غموض بعض المعارف ووضوحها ، كما قال سبحانه :
__________________
(١) سورة الإسراء ١٧ : ١٥ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
