ثمّ قد بيّن الكلمة التي وقع التكليف بها بأنّها هي : وجوب التزام خلوص العبادة للّه ، بحيث يقطع عنه تشريك غيره رأساً ، بأن يقتصر على محض ماهو من اللّه وللّه حقّاً ، حتّى لا يكون ثمّة شيء من متابعة أحدٍ غير اللّه ، وهذا هو عين ما نحن فيه ، وإنّما قلنا : مفاد هذه الآية هكذا ؛ لعدم خفاء دلالة كلٍّ من الفقرات الثلاثة منها على هذا المعنى عند أدنى تأمّل ، لاسيّما (١) دلالة الاُولى على الجزء الأوّل ، فإنّها صريحة فيه ، كنظائرها التي مرّت ، وكذا الثانية بل ، الثاني ، كما هو صريح قوله تعالى : ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (٢) مع قوله : ( قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) (٣) وغيرهما ممّا مرّ ويأتي ، وهكذا حال دلالة الثالثة على الأخير فإنّها صريحة ناطقة بذلك ، بل بالجزء الثاني أيضاً ؛ ضرورة كون المراد باتّخاذ الربّ فيها ما ذكرناه من المتابعة ، كما هو مقتضى إفادة التأسيس اللازم حملها عليه ، وصريح قوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ) (٤) حيث لم يقل أحد منهم باُلوهيّة هؤلاء وربوبيّتهم ، ولا صلّوا لهم ولا صاموا ، بل جعلوهم مقتدىً ومطاعاً فاتّبعوهم فيما دعوهم إليه بدون أمرٍ من اللّه ، وكذا ما مرّ من معنى عبادة الشيطان ، وأمثال هذا في القرآن كثيرة .
على أنّه لو تنزّلنا عن تخصيص المراد بهذا ، فلا أقلّ من الشمول له ، وهو كافٍ أيضاً ، مثل قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
__________________
(١) في «م» و«ن» زيادة : «عند» .
(٢) سورة الكهف ١٨ : ١١٠ .
(٣) سورة آل عمران ٣ : ١٥٤ .
(٤) سورة التوبة ٩ : ٣١ .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
