يا بُنيّ ، والراحة في ثلاثة : في احتمال المؤونة ، وحسن المعونة ، والأخذ بالفضل .
يا بُنيّ ، والإنسانيّة في ثلاثة : في التواضع عند القول ، والعفو عند القدرة ، والعطيّة بغير منّة .
واعلم يا بُنيّ ، أنّ الدنيا بحذافيرها فانية ، والأموال لأهلها عارية ، وأنّ حلالها وإن كثر فيها (١) حساب ، وأنّ حرامها وإن قلّ منها عذاب ، وفيها بكلّ فرحة بعدها ترحة ، ولكلّ جماعة فرقة ، ولكلّ شهوة غمّ وكربة ، ولكلّ لذاذة شدّة ، ولكلّ سيّئة حسرة ، ولكلّ سعة مضرّة ، ولكلّ حلاوة بعدها مرارة ، ولكلّ إبرام بعده نقض ، ولكلّ لين بعده صعوبة ، ولكلّ سرور بعده حزن ، ولكلّ طرب بعده سجن .
فكلّ هذا يا بُنيّ ، في الدنيا ولا ينجو إلاّ من عصمه اللّه منها وأكرمه برحمته ، والناس فيها غافلون ، ومن فنائها آمنون ، والموت أمامهم ينتظر آجالهم ، وهم فيما بين ذلك يجتهدون ، وأنفسهم يكدّون ، ومن الحلال والحرام يكتسبون ، أملهم طويل ، وأجلهم قصير ، عموا في الدنيا واستأنسوا بأهلها ، فهم عن آخرها آمنون مطمئنّون ، يبنون القصور وما لا يسكنون ، ويعمرون ما لا يدخلون ، ويأمنون ما لا يخافون .
يا بُنيّ ، لا الدنيا يطلبون ولا الآخرة يرجون ، لو طلبوا للدنيا لعملوا بما اُمروا فيها ، ولو رجوا الآخرة لاشتغلوا فيما رجوا منها .
يا بُنيّ ، كيف يجتمعون؟ ومن أين يأكلون؟ وممَّ يلبسون ؟
يا بُنيّ ، المال والبنون حرث الدنيا ، والدين والعمل الصالح حرث
__________________
(١) في المصدر : «منها» بدل «فيها» .
![ضياء العالمين [ ج ٣ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4649_zia-al-alamin-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
