المنوط به العقاب ، إلّا أنّ من خصائص ألطافه الواجبة عليه تعالى عدم ترتّبه استحقاق الثواب والعقاب على ما يدركه العقل العاري من غير استمداد النقل ، وعدم إناطته الثواب والعقاب بمجرّد العلم بحسن شيء أو قبحه واقعا من غير أن يضيف إليه تأكيد الخطاب بلسان النبيّ صلىاللهعليهوآله والأئمّة الأحباب ، لقوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١) وسائر الأخبار الدالّة على عدم قبول شيء من الممدوحات العقلية ما لم يكن بدلالة وليّ الله تعالى.
هذا ولكن ليعلم : أنّ مراد الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح العقليين ليس إنكار إدراك العقل الحسن والقبح بمعنى موافقة الطبع ومخالفته ، كحسن صفاء اللؤلؤ ، وقبح قذارة القذر ، ولا إنكار إدراكهما بمعنى موافقة غرض المولى ، ومخالفة غرضه ، كحسن التصدّي لأغراض المولى ، وقبح التعرّض لنقض أغراضه ، إذ لا مجال لإنكارهما بهذين المعنيين ـ كما قد يتوهّم ـ وإنّما مرادهم إنكار إدراكهما بمعنى إنكار إدراك العقل الحسن الملزم لاستحقاق الثواب عليه ، والقبح الملزم لاستحقاق العقاب عليه ؛ بل إنكارهم هذا المعنى ليس بمعنى السلب بانتفاء المحمول ـ كما يتوهّم أيضا ـ بل هو بمعنى السلب بانتفاء الموضوع ، أعني إنكار أن يكون لأفعال العباد بالذات ، أو بالوجوه والاعتبار حسنا أو قبحا ملزما لاستحقاق الثواب أو العقاب عليها ، قبل تعلّق غرض المولى بها فعلا أو تركا حتى يدركهما العقل ، لا إنكار إدراكهما العقل وتسليم ثبوتهما في نفس الأمر قبل عروض غرض المولى بطلبهما.
وأمّا مراد الزركشي والسيّد الصدر فهو تسليم ثبوتهما في نفس الأمر قبل عروض غرض المولى بهما وتسليم إدراك العقل إيّاهما ، لكن لا مع وصف الملازمة للشرع كما يقوله المجتهدون.
__________________
(١) الإسراء : ١٥.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ١ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4679_altaliqa-ala-faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
