قوله : «والثالث مجرى البراءة».
[أقول :] فإن قلت : لا ينحصر الثالث في مجرى البراءة ، إذ قد يكون مجرى القرعة ، أو أصالة الصحّة ، أو الطهارة ، أو الإباحة.
قلت : كلام المصنّف بقرينة قوله : «إذا التفت إلى حكم شرعي» (١) صريح في الأحكام ، ومجرى ما ذكر من القرعة أو الصحّة أو الطهارة إنّما هو في الموضوعات ، مضافا إلى أنّ الصحّة والطهارة من الأحكام المنجعلة المنتزعة عن الأحكام المجعولة عندنا ، لا أنّها أحكام مجعولة بالاستقلال حتى يتكلّم فيها بالأصالة.
وأمّا أصالة الإباحة فهي وإن كانت من الأحكام المجعولة لا المنجعلة ، وكان مجراها في الشكّ في الحكم لا الشكّ في الموضوع فقط ، إلّا أنّ وجه عدم عدّها من الاصول لعلّه من جهة أنّها من الأدلّة الاجتهادية الناظرة إلى الواقع والرافعة لموضوع الشكّ ، لا من الاصول الجارية في حال الشكّ ، فالحاصل منها إذن هو أحد أخوي الشكّ من القطع أو الظنّ دون الشك ، لوضوح أنّ حكم العقل بإباحة الأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة إنّما هو من جهة النظر إلى عدم المضرّة العقلية واقعا وارتفاع موضوع الشكّ في المضرّة عقلا بعد فرض خلوّ الواقعة عن أمارة المضرّة لخروج الشكّ مع هذا الفرض عن الشكّ العقلائي ، وإلحاقه بالجنون السوداوية ، لا من جهة ارتفاع العقاب بقبح العقاب بلا بيان مع بقاء الشكّ في المضرّة وإن صادف المضرّة الواقعية ، كما هو مستند أصل البراءة ، بل قد صرّح غير واحد من الفحول بأنّ إباحة الأشياء النافعة الخالية عن أمارة المضرّة من مستقلّات العقل التي لا تحتاج إلى واسطة خطاب الشرع ، كقبح الظلم ، وحسن الإحسان. وأمّا عدّها الفقهاء من غير المستقلّات حيث حصروا
__________________
(١) الفرائد : ٢.
![التعليقة على فرائد الأصول [ ج ١ ] التعليقة على فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4679_altaliqa-ala-faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
